من مضيق هرمز إلى المواجهة المفتوحة … كيف تغيّرت قواعد الصراع؟
مقالات
من مضيق هرمز إلى المواجهة المفتوحة … كيف تغيّرت قواعد الصراع؟
وائل المولى
20 تموز 2026 , 09:54 ص

لم تعد الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران مجرد تبادل للضربات العسكرية، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لموازين القوة في الشرق الأوسط وللقدرة على التحكم بأحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي، وهو مضيق هرمز. فما بدأ على أنه مسار تفاوضي لتخفيف التوتر، انتهى إلى مواجهة مباشرة تتسع رقعتها يوماً بعد آخر، في مشهد يعكس أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة تتجاوز قواعد الاشتباك التقليدية.

منذ الإعلان عن التفاهم بين واشنطن وطهران، بدا أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تسعى إلى تجنب الحرب. غير أن التطورات اللاحقة دفعت القيادة الإيرانية إلى الاعتقاد بأن المفاوضات لم تكن سوى مرحلة مؤقتة لإدارة الوقت، ريثما تتمكن الولايات المتحدة من إعادة انتشار قواتها، وتأمين مرور أكبر قدر ممكن من صادرات النفط عبر مضيق هرمز، قبل الانتقال إلى الخيار العسكري. وسواء كان هذا التقدير الإيراني دقيقاً أم لا، فإن انهيار التفاهمات بهذه السرعة منح طهران مبرراً لتأكيد روايتها بأن واشنطن لم تكن جادة في الوصول إلى تسوية مستقرة.

الميدان اليوم يعكس هذا التحول بوضوح. فالضربات الأمريكية لم تعد تستهدف مواقع عسكرية فقط، بل امتدت إلى الجسور وشبكات الطرق والبنية التحتية في المحافظات الجنوبية الإيرانية، في محاولة لإرباك منظومة النقل والإمداد وتقليص قدرة إيران على إدارة سواحلها ومنافذها البحرية. وفي المقابل، وسعت طهران دائرة ردها لتشمل قواعد ومنشآت عسكرية أمريكية في سوريا والأردن والكويت والبحرين، مؤكدة أن أي حرب ضدها لن تبقى محصورة داخل حدودها.

في خضم هذه المواجهة، تبدو إسرائيل صاحبة المصلحة الاستراتيجية الأكبر في استمرار الضغط على إيران. فمنذ سنوات، كان هدفها الأساسي إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية ومنع تحولها إلى قوة إقليمية أكثر تأثيراً، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن حرباً مباشرة ستكون مكلفة للغاية. لذلك، تبدو واشنطن اليوم في قلب المواجهة، بينما تحقق تل أبيب جزءاً مهماً من أهدافها من خلال الانخراط الأمريكي المتزايد في الصراع.

ورغم كثافة العمليات العسكرية، فإن أياً من الطرفين لم يتمكن من فرض معادلة حسم واضحة. فكل ضربة أمريكية يقابلها رد إيراني، وكل محاولة لفرض السيطرة على مسارات الملاحة تقابلها خطوات مضادة تهدد أمن الخليج وحركة التجارة الدولية. كما أن امتداد الهجمات إلى محيط دول الخليج والأردن والعراق يعكس أن دائرة الصراع أصبحت أوسع من أن تبقى محصورة في الساحة الإيرانية.

لكن الأخطر أن استمرار هذا المسار قد يفرض واقعاً جديداً لم يكن مطروحاً في بداية الأزمة. فإذا تزايدت خسائر القوات الأمريكية، أو تعرضت قواعدها في المنطقة لهجمات أكثر تأثيراً، فقد تتعرض واشنطن لضغوط سياسية وعسكرية تدفعها إلى توسيع طبيعة عملياتها، وربما اللجوء إلى تدخلات برية محدودة لحماية مواقع استراتيجية أو فرض معادلات ميدانية جديدة. وفي المقابل، تدرك إيران أن أي وجود بري أمريكي، مهما كان محدوداً، سيمنحها فرصة لتحويل المواجهة إلى حرب استنزاف طويلة، تستفيد فيها من الجغرافيا ومن شبكات حلفائها الإقليميين، مستحضرة التجربتين الأمريكية في العراق وأفغانستان بكل ما حملتاه من كلفة بشرية وسياسية.

من هنا، لا يبدو السؤال الحقيقي اليوم هو من يملك القدرة على إطلاق المزيد من الصواريخ أو تنفيذ المزيد من الغارات، بل إلى أين يمكن أن يصل هذا التصعيد إذا غابت التسوية السياسية. فالشرق الأوسط يقف على أعتاب مرحلة قد تعيد رسم طبيعة الحروب في المنطقة، حيث لم تعد المواجهة مقتصرة على الجو والبحر، بل أصبح احتمال الانزلاق التدريجي نحو صراع بري قائماً إذا استمرت الحسابات العسكرية في التغلب على منطق السياسة.

وفي النهاية، فإن الخاسر الأكبر لن يكون طرفاً بعينه، بل استقرار المنطقة بأكملها. فكل يوم يطول فيه أمد هذه الحرب يرفع احتمالات اتساعها، ويزيد من مخاطرها على أمن الطاقة والاقتصاد العالمي، ويقرب الشرق الأوسط من مواجهة مفتوحة لا يمكن لأحد أن يتنبأ بحدودها أو بكلفتها النهائية.

المصدر: موقع اضاءات الإخباري