عبد الحميد كناكري خوجة: المخطط الخبيث...في العصر الحديث.
مقالات
عبد الحميد كناكري خوجة: المخطط الخبيث...في العصر الحديث.


”حين تدير قوى الهيمنة والاستعلاء والأطماع الخرائط بمنطق القوة، يغدو التمسك بالقانون الدولي، وصون السيادة، ورفض فرض الأمر الواقع، ركائز لا غنى عنها لحماية الاستقرار وصناعة المستقبل."

ليس أخطر ما يواجه الأمم أن تختلف المصالح أو تتباين الرؤى، بل أن تتحول موازين القوة إلى بديل عن موازين الحق، وأن ينظر إلى النفوذ باعتباره مصدر الشرعية، لا مجرد أداة من أدواتها. وفي عالم تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية، باتت المنطقة تقف أمام أسئلة كبرى تتعلق بمستقبل السيادة، وحدود النفوذ، ومكانة القانون في إدارة العلاقات الدولية.

فالأحداث المتلاحقة التي يشهدها الشرق الأوسط لا يمكن فهمها بوصفها وقائع منفصلة، وإنما باعتبارها حلقات ضمن مشهد أكثر تعقيدا، تتداخل فيه الحسابات الأمنية مع الاعتبارات الاقتصادية، وتتقاطع فيه الطموحات الإقليمية مع رهانات القوى الكبرى.

لقد أثبتت تجارب التاريخ أن الاستقرار المستدام لا يبنى على الغلبة، ولا يصان بفرض الوقائع بالقوة، بل يقوم على قواعد واضحة تضمن احترام السيادة، وتحفظ التوازن، وتمنع تحول النزاعات إلى حالة دائمة. ومن هنا جاءت المبادئ التي أرساها القانون الدولي المعاصر، وفي مقدمتها المساواة بين الدول، وعدم الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وتسوية الخلافات عبر الوسائل السلمية.

وحين تهمش هذه القواعد، تتسع هوة عدم الثقة، وتزداد احتمالات التصعيد، وتدخل المنطقة في دوائر متكررة من التوتر تستنزف الطاقات وتؤخر فرص التنمية. ولذلك فإن أي مقاربة جادة للأزمات الراهنة لا بد أن تنطلق من احترام الشرعية الدولية، لا من فرض الإرادات أو تكريس موازين مؤقتة.

كما أن الخبرة السياسية تؤكد أن التحديات الكبرى لا تواجه بالانقسام، بل بالتماسك، ولا تعالج بالتنازع، بل بالحوار الرشيد وتغليب المصالح المشتركة. فكلما تعزز الوعي بالمشتركات الوطنية والانسانية، تقلصت مساحة الصراع، واتسعت آفاق الاستقرار.

إن الدفاع عن السيادة، واحترام الحدود المعترف بها دوليا، وصون حق الدول في أمنها واستقلالها، ليست شعارات ظرفية، بل مبادئ راسخة تشكل أحد أعمدة النظام الدولي. كما أن معالجة النزاعات وفق قواعد العدالة والقانون تبقى السبيل الأكثر قدرة على انتاج حلول قابلة للاستمرار، بعيدا عن منطق الهيمنة أو سياسات الإملاء.

”لا تصنع القوة وحدها شرعية، ولا يهب النفوذ حقا دائما؛ فالذي يبقى في ذاكرة الأمم هو ما يستند إلى العدالة، وما يحتمي بالقانون."

لقد علمتنا دروس التاريخ أن الموازين تتغير والتحالفات تتبدل، ومظاهر القوة تتعاقب، أما المبادئ التي تقوم عليها العدالة فتبقى أكثر رسوخا من تقلبات اللحظة، ولذلك فإن مستقبل المنطقة لن يبنى على الغلبة المؤقتة، بل على احترام السيادة، والألتزام بالقانون الدولي، والبحث عن تسويات عادلة تعالج جذور الأزمات بدل الاكتفاء بإدارة نتائجها. فحين يتقدم الحق على منطق القوة، وتعلو الحكمة على ضجيج الصراع، تقترب الأمم من الاستقرار الحقيقي، وتصبح صناعة السلام مشروعا ممكنا لا مجرد أمنية مؤجلة.

وتكشف السياسات للحكومة الإبستينية، في جوهرها، عن نزوع منهجي إلى إعادة إنتاج الهيمنة خارج منطق القانون؛ عبر دعم حكومة الإحتلال الإسرائيلي الغاصب، وتأجيج الاضطراب، وفرض إرادة القوة على حساب حق الشعوب في السيادة والاستقرار.

وفي العدوان الغادر على إيران وشعبها تتكشف عنجهية هذه السياسة الامريكية في أوضح صورها؛ إذ تجعل من القوة بديلا عن القانون، ومن الحماقة نهجا، ومن الاستعلاء غاية، في انتهاك سافر لحقوق الشعوب وكرامة الأمم.

كاتب دمشقي حر.