توصل باحثون في معهد باريس للدماغ إلى اكتشاف يفسر الآلية التي تقف وراء ارتفاع ضغط الدماغ مجهول السبب، وهو اضطراب عصبي نادر يسبب زيادة الضغط داخل الجمجمة دون وجود ورم أو سبب واضح.
وتوضح الدراسة، المنشورة في مجلة Nature Neuroscience، كيف يؤثر تدفق الدم داخل أوردة الدماغ في تصريف السوائل الدماغية، وهو اكتشاف قد يمهد الطريق لتطوير علاجات جديدة وتحسين تشخيص المرض.
مرض نادر يصيب النساء بشكل أكبر

يصيب ارتفاع ضغط الدماغ مجهول السبب ما بين شخص واحد و20 شخصا من كل 100 ألف نسمة، ويظهر غالبا لدى النساء في سن الإنجاب.
ويتميز المرض بارتفاع الضغط داخل الجمجمة دون وجود ورم أو إصابة واضحة، ويرتبط عادة بتضيق الجيوب الوريدية، وهي أوردة كبيرة تقع داخل الغشاء المحيط بالدماغ والحبل الشوكي، إلى جانب اضطراب في دوران السوائل الدماغية.
أعراض تؤثر بشدة في جودة الحياة
يعاني المرضى من مجموعة من الأعراض المزمنة، أبرزها:
صداع مستمر.
اضطرابات في الرؤية.
طنين الأذن.
الدوخة.
صعوبات في التركيز والإدراك.
اضطرابات النوم.
إرهاق مزمن.
وتوضح الدكتورة ستيفاني لينك، اختصاصية الأشعة العصبية التداخلية في مستشفى بيتييه سالبيتريير والباحثة في معهد باريس للدماغ، أن ارتفاع الضغط داخل الجمجمة قد يهدد العصب البصري، ما يستدعي تدخلا عاجلا للحفاظ على البصر.
وأضافت أن اضطرابات النوم وضعف الانتباه والإرهاق المزمن غالبا ما يتم تجاهلها رغم تأثيرها الكبير في حياة المرضى، كما أن أسباب اختلاف شدة الأعراض بين المرضى لا تزال غير مفهومة بالكامل.
كيف يعمل العلاج الحالي؟
يعتمد أحد أكثر العلاجات نجاحا على زرع دعامة معدنية (Stent) داخل الجيوب الوريدية الضيقة لتوسيعها وتحسين تدفق الدم.
وفي معظم الحالات ينخفض ضغط الدماغ وتتحسن الأعراض بعد فترة قصيرة، إلا أن السبب العلمي وراء هذه الفعالية ظل مجهولا حتى الآن.
تصريف سوائل الدماغ يعتمد على تدفق الدم الوريدي
لدراسة هذه الظاهرة، تابع الباحثون 16 امرأة مصابة بارتفاع ضغط الدماغ مجهول السبب و20 امرأة سليمة باستخدام تصوير بالرنين المغناطيسي، كما طوروا نموذجا تجريبيا على الفئران لدراسة اضطرابات تدفق الدم الوريدي.
وأظهرت النتائج أن حركة السوائل داخل الدماغ، بما في ذلك السائل الدماغي الشوكي، تعتمد بشكل مباشر على تدفق الدم داخل الجيوب الوريدية.
الأوعية اللمفاوية السحائية تؤدي دورا محوريا
كشف الباحثون أن تصريف السوائل ومراقبة المناعة داخل الدماغ يعتمدان على شبكة من الأوعية اللمفاوية السحائية، وهي أوعية دقيقة تقع بين طبقات الغشاء السحائي المحيط بالدماغ.
وعندما تتضيق الجيوب الوريدية، يرتفع الضغط داخل الأوردة، ما يعيق حركة السوائل في هذه المنطقة ويؤدي إلى تراكمها داخل الدماغ وارتفاع الضغط داخل الجمجمة.
وفي التجارب التي أجريت على الفئران، تبين أن الأوعية اللمفاوية قد تتراجع تدريجيا حتى تختفي تماما نتيجة اضطراب تدفق الدم.
انعكاسات على النوم والمناعة
يشير الباحثون إلى أن الأوعية اللمفاوية السحائية لا تقتصر وظيفتها على تصريف السوائل، بل تشارك أيضا في تنظيم الالتهابات ومراقبة الجهاز المناعي داخل الدماغ.
كما قد تساعد النتائج الجديدة في فهم آلية النوم، إذ ينشط أثناء النوم النظام المسؤول عن التخلص من الفضلات داخل الدماغ، وهو نظام يرتبط ارتباطا وثيقا بهذه الأوعية اللمفاوية.
زيادة الوزن والمرض ... العلاقة لا تزال قيد الدراسة
يصيب المرض غالبا النساء اللاتي يعانين من السمنة أو زيادة الوزن، خاصة بعد اكتساب الوزن بسرعة، إلا أن السبب الحقيقي لهذه العلاقة لا يزال غير معروف.
ويرى الباحثون أن هذا الغموض يؤدي أحيانا إلى وصم المرضى وتحميلهم مسؤولية إصابتهم بالمرض، ما قد يؤخر التشخيص ويقلل من الاهتمام بالأعراض التي يعانون منها، ويزيد خطر الإصابة بالاكتئاب.
وأكدت الدكتورة لينك أن المرض لا يزال غير مشخص بالشكل الكافي، لأن الأطباء يركزون غالبا على العلامات الظاهرة مثل تورم العصب البصري أو تسرب السائل الدماغي، بينما يجب التعامل مع الحالة باعتبارها مرضا عصبيا متكاملا يؤثر في وظائف الدماغ وجودة الحياة.
لماذا النساء أكثر عرضة للإصابة؟
يرجح الباحثون وجود استعداد وراثي للإصابة، إلى جانب تأثير العوامل الهرمونية.
كما أظهرت الدراسات أن شبكة الأوعية اللمفاوية السحائية لدى النساء أقل تطورا مقارنة بالرجال، ما قد يجعلهن أكثر عرضة للإصابة بهذا المرض، وربما يفسر أيضا ارتفاع معدلات الإصابة ببعض الأمراض العصبية الأخرى.
ويعتقد الفريق البحثي أن الأوعية اللمفاوية تلعب أيضا دورا مهما في نقل الدهون داخل الجسم، ولذلك قد يؤدي اضطراب عملها لدى الأشخاص الذين يعانون من زيادة الوزن إلى المساهمة في ظهور المرض، وهو مسار علمي يستحق مزيدا من الدراسة.