الاثر النفسي بالتفكير بين الواقع والمجهول ..
١ ـ حين يتحوّل الغموض إلى عبء داخلي
لا ينهك الإنسانَ الحدثُ وحده، بل ما يتركه من فراغٍ تأويليّ داخل الذهن. فبعد الأزمات الشخصية، أو في البيئات المعلّقة بين الحرب واللاحرب، والسلم واللاسلم، يفقد العقل قدرته على بناء توقّعات مستقرة، فيبدأ بإنتاج احتمالات متكاثرة لسدّ مساحة المجهول. ومع استمرار الغموض، يتحوّل التفكير من أداة للفهم إلى منظومة استنفار دائم، تراقب التفاصيل، وتضخّم الإشارات، وتستبق الخطر حتى في غياب دلائله المباشرة.
٢ ـ الاستنفار النفسي المزمن
التفكير المفرط في المجهول ليس ترفًا ذهنيًا، بل استجابة دفاعية تنشأ حين تهتزّ قابلية الإنسان للوثوق بالزمن والوقائع. يصبح الذهن أسيرًا لمحاولة السيطرة على ما لا يمكن ضبطه، فيستنزف طاقته بين تحليل الماضي، وتفحّص الحاضر، ومحاكاة سيناريوهات المستقبل. ومع الوقت، تظهر آثار ذلك في اضطراب النوم، وتشتّت الانتباه، وسرعة الانفعال، والإرهاق الجسدي، لأن الجهاز العصبي يتعامل مع الاحتمال كما لو أنه خطر واقع، ويبقى في حال تأهّب لا تسمح له بالعودة إلى التوازن.
٣ ـ استعادة السيطرة الواقعية
الخروج من هذا الاستنزاف لا يبدأ بإنكار الخطر، ولا بترديد الطمأنات الجوفاء، بل بإعادة الفصل بين ما هو واقع، وما هو محتمل، وما هو خارج القدرة على التحكم. فكلما حصر الإنسان انتباهه في المعطيات الملموسة، ونظّم مصادر المعلومات، وخفّف اجترار السيناريوهات المفتوحة، استعاد جزءًا من سيادته الداخلية. إن التكيّف في الأزمنة الغامضة لا يعني غياب القلق، بل امتلاك القدرة على منعه من التحوّل إلى سلطةٍ تستنزف الوعي، وتشوّه القرار، وتختصر الحياة في انتظار ما قد يحدث.
" عباس المعلم"