”حين تنطلق الوقائع...ويصمت الضجيج"
ليس التاريخ دفترا تدون فيه الحوادث فحسب، بل محكمة كبرى توزن فيها المواقف، ويختبر فيها معدن الأمم، وتنكشف عند منعطفاتها حقائق كانت مستترة خلف ضباب المصالح وتقلبات السياسة. وما أشد الفرق بين من يقرأ الأحداث بعين الانفعال، ومن يتأملها بعين الحكمة؛ فالأولى تستعجل الأحكام، أما الثانية فتفتش عن العلل، وتستقرئ المآلات، وتستنبط الدروس من تضاعيف الوقائع.
لقد أعادت التطورات المتمثلة بالعدوان على الجمهورية الإسلامية الإيرانية طرح أسئلة عميقة حول السيادة، وحدود استخدام القوة، ودور القانون الدولي، وقدرة المؤسسات الدولية على صيانة الأمن الجماعي. وفي مثل هذه المنعطفات، تتقاطع الجيوبولوتيكا مع السوسيولوجيا، ويتشابك البراديغم الأمني مع الإبستمولوجيا السياسية، فتغدو الصورة أبعد من اختزالها في شعارات أو اصطفافات، وأوسع من أن تفسر بمنظار واحد.
”في معراج الصمود...بين الدولة والمجتمع"
تعلمنا التجارب أن المجتمعات التي تملك قدرا من التماسك تكون أكثر قدرة على مواجهة المحن، وأن قوة الدولة لا تقاس بعتادها وحده، بل أيضا بقدرتها على إدارة الأزمات، وصون مؤسساتها، والحفاظ على توازنها الداخلي. فحين تعصف العواصف، لا يكون الثبات نقيض الحركة، بل يصبح شرطا لاستمرارها، ولا يكون الصبر خضوعا، بل وسيلة لتجنب إنزلاق المنطقة إلى الفوضى العظمى. وهذا ما لا تتمناه طهران لدول الجوار، لكن يبقى من حقها الطبيعي والشرعي والقانوني الرد على مصادر العدوان من أي بقعة تنطلق منها طائرات ومسيرات وقذائف الحقد الصهيو_ أمريكي ومن دار في فلكه ضد الأراضي الإيرانية.
ومن هنا، فإن كل أزمة تفرض على صناع القرار مسؤولية مضاعفة؛ مسؤولية حماية الأمن، ومسؤولية إبقاء أبواب السياسة مفتوحة. فالردع والدبلوماسية ليسا ضدين بالضرورة، بل قد يكونان، في بعض السياقات، مسارين متوازنين لتقليل المخاطر ومنع اتساع رقعة النزاع.
”بين الواقعية والحكمة...أفق يتجاوز الصدام"
إن العلاقات الدولية ليست معادلات جامدة، وإنما شبكة معقدة من المصالح. والاعتبارات التاريخية، والتحولات الاقتصادية، والتوازنات الإقليمية، ولذلك، فإن بناء الثقة يظل عملية تراكمية تحتاج إلى احترام الالتزامات، وإعلاء قيمة الحوار، والاحتكام إلى القانون الدولي، بما يعزز فرص الاستقرار ويحد من دوائر التصعيد.
ولا تزال الوقائع تذكر بأن السلام لا يولد من فراغ، كما أن الأمن لا يستقر بالقوة وحدها، وإنما يحتاج إلى إرادة سياسية، وإدراك بأن كرامة الشعوب، وسيادة الدول، واحترام المواثيق، ليست شعارات ترفع، بل مبادئ يقاس بها صدق المواقف وفاعلية السياسات.
”وما يبقى بعد العاصفة"
تبقى الأزمات صفحات في كتاب الزمن. غير أن الأمم الرشيدة هي التي تقرأ تلك الصفحات بعين البصيرة لا بعين الغضب، فتستخلص العبرة قبل أن تبحث عن الغلبة، وتقدم الحكمة على المزايدة، والعقل على الانفعال. وبين تقلبات الجغرافيا وصخب السياسة، يظل الأمل معقودا على عالم ينصف القانون، ويحترم السيادة، ويجعل من الحوار سبيلا لتخفيف المعادلة، ومن الكرامة الإنسانية قاسما مشتركا لا يختلف عليه إثنان. وهذا ما واضبت عليه طهران بسياستها الرشيدة على مدى طويل.
كاتب دمشقي حر.