بقلم :- راسم عبيدات
التطورات المتلاحقة والمتصاعدة في الضفة الغربية، لجهة تكثيف عمليات التهويد والضم وتوسيع الإستيطان، تقول بأن جوهر التحول الجيوسياسي يؤشر الى أن الضفة الغربية تحاوزت مرحلة الاحتلال العسكري المؤقت لتستقر في بنية "دولة المستوطنين" وهو كيان جيوسياسي متكامل يتمتع بسلطة سياديّة وتشريعيّة لا تكتفي بتطبيق سياسات تل أبيب بل تملي أجندتها على المركز السّياسي الإسرائيلي. هذا التحوّل يعني نهائيًا سقوط خيار ما يسمّى "بعملية السلام" وتحويل الصّراع إلى مواجهة مباشرة مع مشروع استيطاني احلالي يستهدف الحسم الديمغرافي والجغرافي.
سموتريتش وبن عغفير وقوى اليمين والتطرف والمستوى السياسي بدعم واسناد من المؤسستين العسكرية والأمنية، مهدوا للوصول الى هذا الوضع بمجموعة من الخطوات والعمليات العسكرية والأمنية وبالتشارك مع عصابات المستوطنين،وتذرعت اسرائبيل بشن عمليات عسكرية واسعة ومتلاحقة على شمال الضفة الغربية ومخيماتها،يالسعي لضرب بنى القوى والفصائل التنظيمية والقضاء على تشكيلاتها العسكرية وقدراتها التسليحية،واستهلت تلك العمليات بمخيمات طولكرم ،مخيم طولكرم ومخيم نور شمس ومخيم جنين،وأدخلت دباباتها ومدرعاتها الى قلب تلك المخيمات،ودمرت مئات المنازل والطرقات والبنى التحتية فيها،وهجرت أكثر من 40 الف مواطن فلسطيني،داخلياً ومنعتهم من العودة الى مخيماتهم،ووزيري حرب الإحتلال كاتس و المالية سموتريتش، في تلك العمليات العسكرية المتلاحقة،كان مخططهم لا يقتصر على الأهداف الأمنية والعسكرية،بل أبعد من ذلك إحداث تعيير جوهرى في الواقع الجغرافي والديمغرافي والإداري ،وبما يضمن تحقيق اهداف سياسية،واعادة تشكيل شمال الضفة،بما يخدم اهداف المشروع الصهيوني في الضم والتهويد وتوسيع دائرة الإستيطان،وتقطيع اوصال الصفة الغربية،وحشر الفلسطينيين في معازل جغرافية،وتقيد حركتهم وتنقلهم من خلال مئات البوابات والحواجز العسكرية،وبما لا يقسم الضفة الغربية فقط، بل بما يفصل شمالها عن وسطها وعن جنوبها،بالإضافة الى تقطيع وعزل داخلي في المحافظة نفسها،وخير سموتريتش ،صاحب خطة الحسم وزرع الضفة الغرببة بمليون مستوطن والبؤر الإستيطانية الرعوية والمزارع الإستيطانية،واعادة اقامة وبناء المستوطنات المخلاة في شمال جنين،بموجب فك الإرتباط مع القطاع،مستوطنات "حومش" و"كاديم" و"غانيم" و"صانور".،وبناء عشرات المستوطنات الجديدة ومئات ،بل وألآلاف الوحدات الإستيطانية، وبما يغطي كل مساحة الضفة الغربية.
الشعب الفلسطيني، ما بين الموت في الميدان،او الهجرة القسرية ،ومن يتبقى منهم يكون في خدمة الإسرائيلي ويناط به العمل الأسود.
استغلت حكومة الاحتلال ومستوطنيها الظروف والأوضاع الإقليمية،وتسليط الضوء وأنظار العالم على الصراع الإيراني- الأمريكي،وما نتج عن ذلك من حروب عدوانية شنتها أمريكا وإسرائيل على ايران من أجل اخضاعها وتدمير برنامجها النووي وتفكيك برنامجها الصاروخي وصناعتها من الطائرات المسيرة و"تقزيم" دورها الإقليمي وفك علاقاتها مع قوى المقاومة عربية وفلسطينية،متوخية تحقيق ذلك بضربات عسكرية وغارات عنيفة سريعة، تمكنها من إسقاط النظام والدولة الإبرانية،بما يفتح الطريق ويعبدها،نحو تحقيق تلك الأهداف .
ولكن الحربين اللتان شنتهما على ايران،حزيران/2025 وشباط /2026،فشلتا في تحقيق تلك الأهداف،واستغلت إسرائيل حالة الإنشغال العالمي،وكتعويض عن الفشل في تحقيق تلك الأهداف،وعدم القدرة على الحسم العسكري في لبنان،وتحقيق مشروع الطرد والتهجير في القطاع،في التفرغ من أجل تحقيق عمليات الضم والتهويد وتوسيع الإستيطان في الضفة الغربية،بما يحسم مصيرها،عبر إطلاق يد المستوطنين،لكي يشنوا حرب شاملة على شعبنا في الضفة الغربية، تستهدف كل الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية،بشر وحجر وشجر ومزروعات وحيوانات ومؤسسات عبادة ،مساجد وغيرها،وترافقت تلك الحرب التي شنها المستوطنين على شعبنا في الضفة الغربية،بدعم ومساندة من الجيش وقوى الأمن الإسرائيلي،من أجل توفير الحماية والدعم والإسناد لهم في مهاجمة الفلسطنيين ،والإستيلاء على ارضهم ومصادرة مصادر رزقهم وزرع بؤر استيطانية جديدة في قلب قراهم وبلداتهم،والإستيلاء على ينابيعهم .
ان ارهاب المستوطنين أصبح أداة حسم بنيويّة بمعنى لم يعد عنف المستوطنين أفعالاً فرديّة بل تحوّل إلى وظيفة مؤسسيّة وعقيدة أمنيّة تتقاطع مع أهداف جيش الاحتلال وتعتمد آليات عدة أهمّها :-
التطهير العرقي الصامت من خلال تهجير التجمعات الفلسطينيّة في المناطق المصنفة (ج) لربط الكتل الاستيطانية وإفراغ المخيّمات.
اقتصاد العنف: تدمير مقومات الحياة اليوميّة والزراعيّة لدفع السكان نحو الهجرة القسريّة.
الإسناد العسكري: توفير الغطاء والحماية الرسميّة من قبل جيش الاحتلال لميليشيات المستوطنين.
إعتماد استراتيجيّات تفريغ الفعل النّضالي الفلسطيني،حيث تواجه البنية الفلسطينيّة في الضفة هندسة مزدوجة تهدف إلى تعطيل قدرتها على المقاومة وتبرز في محاور رئيسيّة أهمّها التجريف المؤسّسي والأمني وهذا فعليًّا يتمثّل في الاجتياحات المتكرّرة لتدمير البنى التحتيّة وكسر أي نواة لتنظيم مقاوم مستدام.وعلى الوجه الآخر شراك "ادارة النزاع" ومحاولة حصر النّضال في اطارات معيشيّة واقتصاديّة يوميّة لسلخه عن مضمونه الوطني.بالإضافة إلى التّشظي الجغرافي من خلال تقطيع أوصال الضّفّة بالحواجز والبوابات لعزل المدن والقرى وتحويلها إلى كانتونات منفصلة.
انّ طريق الخلاص في مجابهة هذا الواقع تقتضي مغادرة المربعات التقليديّة ويتمثّل المخرج الاستراتيجي في الاشتباك الشّامل من خلال تفعيل لجان الحماية الشعبيّة وربط النّضال المحلي برؤية وطنيّة جامعة لمقاومة الاستيطان في كل نقطة اشتباك. وأيضًا الوحدة الميدانيّة في بناء قيادة موحدة واستراتيجية كفاحية قادرة على تحويل ردود الفعل المبعثرة إلى فعل نضالي منظّم ومستدام.
فلسطين – القدس المحتلة
27/7/2026