اندفاع المراهقين لا يعود إلى عدم نضج عقولهم، بل إلى آليات تطورية
دراسات و أبحاث
اندفاع المراهقين لا يعود إلى عدم نضج عقولهم، بل إلى آليات تطورية
28 تموز 2026 , 12:49 م

كشفت دراسة حديثة أن السلوك الاندفاعي لدى  المراهقين لا يعكس ضعفا في التفكير أو عدم القدرة على تقدير العواقب، كما كان يعتقد سابقا، بل يرتبط بآليات تطورية عميقة ساعدت البشر على البقاء عبر التاريخ.

وأوضحت إيفلين سوينغن، الأستاذة المساعدة في قسم علم الجريمة بجامعة برمنغهام، أن دماغ المراهق لا يعمل بكفاءة أقل من دماغ البالغ، وإنما يعمل بطريقة مختلفة تتناسب مع متطلبات هذه المرحلة العمرية. ونشرت نتائج الدراسة في مجلة The Conversation.

الدفاع عن العدالة آلية تطورية

سلوك المراهقين الاندفاعي ( مصدر الصورة: Freepik )

تشير الباحثة إلى أن معاقبة من يخالف القواعد أو يرتكب ظلما تعد آلية تطورية قديمة ساعدت المجتمعات البشرية على الاستمرار.

فالمجموعة التي تسمح بالغش أو الظلم دون محاسبة تفقد التعاون بين أفرادها وتصبح أقل قدرة على البقاء. ومن هذا المنطلق، فإن رد فعل المراهق على الإهانة أو الظلم يعكس استجابة طبيعية تشبه الآليات التي ساعدت أسلاف البشر على الحفاظ على النظام داخل الجماعة.

الميل إلى مكافأة الخير ومعاقبة الظلم

توضح الدراسة أن الإنسان يميل بطبيعته إلى رد الجميل لمن يحسن إليه، وإلى الغضب عند التعرض للخداع أو الظلم.

وأظهرت أبحاث سابقة أن الأطفال بعمر ثمانية أشهر يفضلون الأشخاص الذين يتصرفون بلطف مع الآخرين، كما أن الرغبة في معاقبة من يخالف القواعد تزداد مع التقدم في العمر.

وتشير الباحثة أيضا إلى أن الدماغ قد يتعامل مع الشعور بالانتقام باعتباره تجربة تمنح شعورا بالمكافأة.

دماغ المراهق أكثر حساسية للإشارات الاجتماعية

خلال مرحلة المراهقة، يصل نظام المكافأة في الدماغ إلى أعلى مستويات نشاطه، ويصبح شديد الحساسية للإشارات الاجتماعية، مثل القبول أو الرفض، والإشادة أو الانتقاد.

في المقابل، لا يكتمل نضج القشرة الجبهية الأمامية، المسؤولة عن ضبط النفس واتخاذ القرارات، إلا مع الاقتراب من سن الثلاثين.

وتعد هذه المرحلة فترة انتقالية يسعى فيها الشاب إلى الاستقلال عن أسرته وبناء مكانته بين أقرانه، لذلك يكون الدماغ مهيأ للاستجابة بقوة لآراء الآخرين والدفاع عن مكانته الاجتماعية.

تأثير الأصدقاء في قرارات المراهق

أظهرت الدراسة أن مجرد وجود الأصدقاء إلى جانب المراهق يزيد من ميله إلى المخاطرة ويحفز مراكز المكافأة في الدماغ، بينما لا يظهر هذا التأثير عند وجوده بمفرده.

كما أن المراهقين يشعرون بالخوف من الرفض أو الإقصاء الاجتماعي بدرجة أكبر من البالغين، وقد يكون فقدان المكانة داخل المجموعة أو التعرض للإحراج أمام الآخرين أكثر إيلاما بالنسبة لهم من العقوبات التي يفرضها الآباء أو المعلمون.

وتؤكد الباحثة أن هذا لا يعني أن المراهق يفتقر إلى الذكاء، بل إنه يدافع عما يعده الأكثر أهمية في هذه المرحلة، وهو مكانته داخل المجموعة، مشيرة إلى أن سلوكه يتأثر بدرجة كبيرة بطبيعة البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها.

مرحلة المراهقة تمثل "نافذة للفرص"

يصف العلماء مرحلة المراهقة بأنها "نافذة للفرص" بسبب الحساسية الكبيرة للدماغ تجاه البيئة المحيطة.

فإذا نشأ المراهق في بيئة يسودها الاحترام والعدالة والهدوء، فإن ذلك يساعد على بناء أنماط سلوكية صحية ومتوازنة. أما إذا كانت البيئة المحيطة تشجع السلوكيات الخطرة، فإن احتمالات مخالفة القواعد تزداد.

وتشير الدراسة إلى أن شعور المراهق بالثقة في الأنظمة والقوانين يقلل رغبته في الانتقام، ويمنح القشرة الجبهية الوقت الكافي للتدخل والسيطرة على الانفعالات العاطفية.

أهمية توفير بيئة داعمة

ترى الباحثة أن هذه النتائج تحمل رسالة مهمة للآباء والمعلمين، مفادها أن توفير بيئة يسودها العدل والاحترام والاستقرار يساعد المراهقين على تطوير سلوكيات صحية واتخاذ قرارات أكثر توازنا، بدلا من الاكتفاء بوصفهم بأنهم متهورون أو غير قادرين على التفكير السليم.

المصدر: موقع The Conversation