في إحدى حلقات النقاش التي خُصصت لتقييم الأثر النفسي والاجتماعي لوسائل التواصل الاجتماعي في العلاقات الفردية والعائلية، برز توافق لافت بين المشاركين، على اختلاف مدارسهم الفكرية واختصاصاتهم وبيئاتهم، حول مبدأ لا خلاف عليه، وهو أن لكل إنسان الحق الكامل في التعبير عن ذاته، وإبداء آرائه، ومشاركة ما يشاء من تفاصيل حياته، ضمن إطار الحرية الشخصية التي يكفلها القانون وتحترمها المجتمعات السليمة.
غير أن هذا الاتفاق بدأ يأخذ منحى أكثر تعقيدًا مع الانتقال من مستوى المبادئ إلى مستوى الوقائع. فحين عُرضت عشرات الحالات الواقعية، واتُّخذت نماذج من ملفات اجتماعية وقضائية وأسرية، تبيّن أن المشكلة لا تكمن في حرية التعبير نفسها، بل في حدود الإفصاح عن الحياة الخاصة، ولا سيما عندما يتحول الفضاء الرقمي إلى ساحة مفتوحة لاستعراض الجراح الشخصية، أو الإعلان المتكرر عن مشاعر القهر، والرفض، والوحدة، والانكسار، أو نشر تفاصيل الخلافات الأسرية والعاطفية بصورة مباشرة أو بإيحاءات يفهمها المحيطون.
وقد أظهرت المناقشات أن هذا النمط من الإفصاح المفرط كان حاضرًا في نسبة معتبرة من النزاعات الأسرية، والخلافات بين الأزواج والخطّاب، وحتى بين الأصدقاء وأفراد العائلة. فكثيرًا ما يتحول المنشور الذي كُتب بدافع التنفيس النفسي إلى مادة للتأويل، أو إلى وقود يزيد التوتر، أو إلى نافذة يتسلل منها الآخرون إلى خصوصيات لا تعنيهم أصلاً.
ولم تقتصر الإشكالية على الأشخاص المرتبطين أو المتزوجين، بل شملت أيضًا العزّاب والمطلقين والأرامل، إذ إن إظهار الهشاشة النفسية بصورة متكررة في فضاء مفتوح قد يدفع بعض أصحاب النفوس المريضة إلى استغلال تلك الحالة، ليس بدافع التعاطف الحقيقي، وإنما بحثًا عن منفذ عاطفي أو نفسي يحققون من خلاله مصالحهم الخاصة. وهنا يتحول التعاطف الظاهري أحيانًا إلى وسيلة للتلاعب، أو لبناء علاقة قائمة على استثمار الضعف لا على الاحترام.
وقد كشفت حالات عديدة عن أن أساليب الاستهداف تختلف باختلاف طبيعة الشخص المستهدف. فالبعض قد يتعرض لمحاولات استمالة تتخذ غطاءً دينيًا، عبر توظيف نصوص أو إسقاطات شرعية في غير موضعها لإضفاء شرعية زائفة على علاقات أو ممارسات لا تمت إلى الدين بصلة. وفي المقابل، قد يتعرض آخرون لتحرش لفظي أو إيحاءات مبتذلة، أو لضغوط نفسية تتجاوز أبسط معايير اللياقة والاحترام. وفي جميع الأحوال، يبقى القاسم المشترك هو استغلال لحظة الضعف الإنساني من أجل تحقيق غايات شخصية.
ومن هنا، فإن الحديث لا يدور حول الدعوة إلى تقييد حرية التعبير أو فرض الوصاية على الناس، فحرية الإنسان في التعبير عن نفسه حق لا ينبغي مصادرته. لكن الحرية، في بعدها الاجتماعي، لا تنفصل عن المسؤولية. فكل مساحة يفتحها الإنسان أمام الغرباء في العالم الرقمي قد تصبح منفذًا لتدخلات غير مرغوبة، أو لاستغلال نفسي، أو لابتزاز عاطفي، وربما مالي أو جنسي، في بيئة افتراضية يغيب فيها اليقين حول هوية المتلقين، وأخلاقهم، وأهدافهم الحقيقية.
وعند مراجعة عدد كبير من الملفات التي نظرتها النيابات العامة، وأجهزة مكافحة الجرائم المعلوماتية، والمحاكم الشرعية الإسلامية والمسيحية، إلى جانب بعض ملفات جرائم القتل ومحاولات القتل التي ارتبطت بخلافات بدأت أو تفاقمت عبر وسائل التواصل، يتضح أن المنصات الرقمية لم تعد مجرد أدوات للتواصل، بل أصبحت في كثير من الأحيان عاملًا مؤثرًا في تصعيد النزاعات الأسرية والشخصية، وفي تعميق حالات الانفصال والطلاق، وإن لم تكن السبب الوحيد لها. فهي كثيرًا ما تعمل كمسرّع للأزمات القائمة، أو كوسيط يكشف هشاشة العلاقات القائمة أصلًا.
ومن زاوية نفسية، فإن التعبير المفرط والمستمر عن مشاعر الحزن، أو القهر، أو الفقد، أو الاستجداء العاطفي عبر منصات مفتوحة، لا يحقق غالبًا التعافي الذي يتطلع إليه صاحبه، بل قد يطيل أمد الألم عبر ربطه بردود أفعال الآخرين، ويجعله عرضة لقراءات خاطئة أو لاستغلال مقصود. إن الإنسان حين يحوّل أوجاعه الخاصة إلى مادة متاحة للجميع، فإنه يفقد تدريجيًا جزءًا من حصانته النفسية، ويمنح الغرباء مفاتيح لم يكن ينبغي أن يغادروها إلى الفضاء العام.
أما إذا كان هذا البوح موجَّهًا إلى الله سبحانه وتعالى، طلبًا للفرج أو كشفًا للضر، فإن أبواب السماء لا تحتاج إلى وسيط رقمي، ولا إلى منصة إلكترونية، ولا إلى جمهور يتابع أو يتفاعل. فالله تعالى يعلم السر وأخفى، ويسمع الدعاء قبل أن تنطقه الشفاه، وهو القائل: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. فبين صدق المناجاة، وضجيج النشر، مسافة واسعة ينبغي للإنسان أن يميزها؛ لأن ليس كل ألم يحتاج إلى جمهور، وليس كل وجع يصلح أن يصبح منشورًا.
عباس المعلم / كاتب سياسي
(ورقة تحليلية مستندة إلى حلقة نقاش في علم النفس الاجتماعي حول أثر وسائل التواصل الاجتماعي في العلاقات الإنسانية.)