لا تبدأ معاناة التفكير الزائد من حجم المشكلة، بل من الطريقة التي يعالج بها الدماغ المعلومة. فالفكرة أو الكلمة أو الموقف قد يكون محدودًا في واقعه، لكن العقل يرفض تركه في حجمه الطبيعي، فيعيد استحضاره مرارًا ويخضعه لعمليات تحليل واسترجاع وتأويل متكررة. ومع كل دورة ذهنية يفقد الحدث شيئًا من واقعيته ويكتسب طبقات جديدة من المعاني المفترضة، فتتحول الواقعة من ذكرى عابرة إلى بؤرة استحواذ معرفي تستنزف الانتباه والموارد الذهنية دون أن تنتج فهمًا حقيقيًا أو حلًا فعليًا.
المفارقة النفسية أن الدماغ في هذه الحالة لا يبحث عن الحقيقة، بل عن اليقين المطلق؛ وهو مطلب يستحيل تحقيقه في معظم تفاصيل الحياة. لذلك يدخل الإنسان في ما يعرف بـالاجترار الذهني، حيث تتكرر الفكرة نفسها بأشكال مختلفة، ويظن صاحبها أنه يقترب من الإجابة، بينما هو في الواقع يعيد إنتاج السؤال ذاته. ومع استمرار هذا النمط، تتراجع كفاءة الوظائف التنفيذية في الدماغ، المسؤولة عن اتخاذ القرار وتنظيم الانتباه، لصالح دوائر القلق والانفعال، فيصبح التفكير أكثر تعقيدًا وأقل دقة، ويتحول العقل تدريجيًا إلى ساحة مزدحمة بالافتراضات لا بالحقائق.
والأخطر من ذلك أن العقل المرهق لا يبقى أسير الفكرة الأصلية، بل يبدأ بربطها قسرًا بأحداث وذكريات ومخاوف لا علاقة مباشرة لها بها. إنها عملية اتساع ترابطي تجعل فكرة صغيرة تمتد لتشمل الهوية الشخصية، والعلاقات، والمستقبل، وتقدير الذات. وهنا لا يعود الإنسان يناقش موقفًا معينًا، بل يدخل في دوامة من السيناريوهات الكارثية التي تُضخِّم الإحساس بالتهديد، فينشأ عبء نفسي يفوق بكثير حجم الحدث الذي أشعل الشرارة الأولى. ومع الوقت يفقد الدماغ قدرته على التمييز بين الخطر الحقيقي والخطر المتخيَّل، فيتعامل مع الاحتمالات وكأنها وقائع، ويستنزف طاقته في مواجهة معارك لم تقع أصلًا.
إن العلاج الحقيقي لا يبدأ بإيقاف التفكير، لأن الدماغ لا يتوقف عن التفكير بطبيعته، بل يبدأ بإعادة ضبط العلاقة مع الأفكار نفسها. فليست كل فكرة تستحق التحليل، ولا كل مشهد يحتاج إلى تفسير، ولا كل كلمة تحمل رسالة خفية. إن النضج النفسي يتمثل في قدرة الإنسان على التمييز بين ما يستحق أن يشغل وعيه، وما ينبغي أن يمر كما تمر السحب في السماء. فالعقل السليم ليس ذلك الذي يفكر أكثر، بل ذلك الذي يعرف متى يتوقف عن التفكير قبل أن يتحول التحليل إلى استنزاف، والوعي إلى إرهاق، والبحث عن الفهم إلى سجنٍ ذهني يصنعه الإنسان بنفسه.
وفي المحصلة، لا تكمن خطورة التفكير الزائد في كثرة الأفكار، بل في فقدان الدماغ قدرته على إغلاق الدائرة المعرفية للفكرة الواحدة. فعندما يعجز العقل عن إنهاء معالجة موقف عابر، يستمر في استنزاف موارده التنفيذية باحثًا عن إجابات قد لا وجود لها أصلًا، فتتضخم صورة الخطر داخل الوعي بينما يبقى الواقع على حاله. وهنا لا يصبح الإنسان أسير الفكرة الأولى، بل أسير الآلية النفسية التي أعادت إنتاجها مئات المرات. لذلك فإن الصحة النفسية لا تُقاس بكمية ما نفكر فيه، بل بقدرتنا على منح كل فكرة حجمها الواقعي، ثم امتلاك المرونة المعرفية لتركها ترحل عندما يتحول التفكير من وسيلة للفهم إلى مصدرٍ للإرهاق الذهني وتشويه الإدراك.
" عباس المعلم "