كتب الأستاذ حليم خاتون:
هل طفح الكيل في جنوب لبنان!
ليس سبب الإبادة التي تجري في الجنوب والبقاع، والتي سوف تصل عاجلا أم آجلا إلى كل لبنان وبلاد الشام وبلاد ما بين النهرين ومصر والجزيرة العربية؛ لا ينحصر سبب الإبادة حرب الإسناد كما يقول الجنرال هشام جابر الغاضب جدا كما بقية الجماهير من إيران، من محور المقاومة ومن حزب الله تحديدا!
وإن كان على هذا الغضب أن يتوجه إلى الشعوب العربية الخائبة، والى الذين ينظّرون لشركاء في الوطن هم أحقر أنواع العملاء...
سبب الإبادة اختصره الدكتور شارل مالك في جملة مفيدة في الكتيب الذي أصدره سنة ١٩٤٩ تحت عنوان " تقرير في الوضع الحالي"؛
يقول الدكتور شارل مالك:
فلسطين ليست أرض استقرار في المشروع الصهيوني؛ فلسطين هي مركز الإرتكاز للإنقضاض على كل الأراضي التي يستطيع المشروع الصهيوني ضمها لتحقيق الإمبراطورية اليهودية التي سوف ترث الإمبراطوريتين العثمانية والبيزنطية على حساب العرب بشكل أساسي، وتحقيق تعاليم التلمود التي تقوم على أن يكون لكل يهودي من شعب الله المختار مئة ألف عبد من الغوييم!
اللبنانيون، العرب، السُنّة قبل الشيعة، ومعهم المسيحيون... الكل يتصرف كالنعامة التي تدفن رأسها في الرمل لكي لا ترى الرصاصة التي سوف تنال من مؤخرتها!
سبب الإبادة فهمه الإمام السيد موسى الصدر فاختصر ذلك في ثلاث كلمات:
"إسرائيل شر مطلق!"
سبب الابادة الجارية الآن في جنوب لبنان يعود الى تحكّم نظرية الصبر الاستراتيجي الذي ساد في إيران، ما أدّى إلى تدمير وخراب في هذا البلد فاقت قيمته ثلاثمائة مليار دولار وفقا لمذكرة التفاهم التي وُقعت بين أميركا وإيران في حزيران ٢٠٢٦ الماضي وكانت أدّت إلى اغتيال قادة إيران حتى قبل الحرب المباشرة التي شنتها اسرائيل وشاركت فيها اميركا جزئيا في ٢٠٢٥...
سبب الإبادة الجارية الآن في جنوب لبنان أن الإصلاحيين في إيران لا يزال لهم كلمة وإن ضعيفة في السلطة،
لهذا فرضوا ما يُسمى "عقلانية" سياسية، هي في حقيقة الأمر عدم الرد على العين بالعين وعلى السنّ بالسن ولهاث هؤلاء الإصلاحيين خلف حلول وسط في مفاوضات مع الشيطان...
أما كيف يمكن التفاوض مع الشيطان؛ هذا أمر آخر!
صحيح ان التيار الثوري بات يتحكم الآن أكثر في دفة السفينة الإيرانية؛ لذلك نرى أن إيران لم تعد تقبل حتى بالمفاوضات غير المباشرة لأن على الشيطان الرضوخ والتسليم بالهزيمة وتطبيق الحدّ الأدنى الذي حوته مذكرة التفاهم (وفقا لمقابلة مع جون ميرشايمر حول المفاوضات الإيرانية العُمانية)...
تدل التطورات الأخيرة أن التيار الثوري في إيران بات هو السيد الفعلي للقرار؛ لذلك نرى أن إيران لا تكتفي بتوجيه ضربات إلى الشيطان، لكنها بدأت تمتلك اليد العليا في الحرب الدائرة ضد الإمبريالية...
لكن لماذا لا يصل تأثير القيادة الثورية في إيران إلى لبنان؟
يسأل الناس:
لماذا لا تتدخل إيران في لبنان رغما عن سلطة جوزيف عون ونواف سلام العميلة التي تغطي الإبادة وتمنحها شرعية!
أليس الأجدر سؤال قيادة حزب الله السياسية لماذا تساهم هي نفسها عبر التواجد في السلطة على تقوية النفوذ الأميركي الصهيوني في لبنان وفقا للكاتب اللبناني علي يوسف، وهو محق تماما في قوله هذا!
السبب بسيط:
أن قيادة المقاومة في لبنان منذ وضعت رجلا داخل النظام اللبناني وهي تتصرف وفق نظرية "رِجْلُُ إلى الأمام ورجل إلى الوراء!"
حتى وصلت عمليا مع اتفاق ٢٧ نوفمبر تشرين الثاني ٢٠٢٤ إلى استراتيجية،
خطوة إلى الأمام، خطوات إلى الوراء!...
ضيّعتنا قيادة حزب الله، وضيعت نفسها وهي تنظّر للفرق بين المفاوضات المباشرة وتلك غير المباشرة...
يصرّ حزب الله وحركة أمل على حمل شعار " إسرائيل شر مطلق!"
بالله عليكم، أخبرونا كيف يمكن التفاوض غير المباشر مع الشر المطلق؟
هل نخترع هوكشتاين آخر ونضحك على الناس وعلى أنفسنا كما فعلنا في الترسيم البحري!
الإبادة تجري لأن المقاومة ذهبت إلى حرب الإسناد "رجل إلى الأمام ورجل إلى الوراء!"؛ أو بالأحرى خطوة إلى الأمام، خطوات إلى الوراء!...
المشكلة لم تكن ابدا في إسناد غزة؛
المشكلة كانت في نظرية اختصرت كل حربنا مع إسرائيل في هامش إسناد غزة!...
بينما الحرب مع هذا الكيان حتمية لو مهما طال الزمن!
رغم كل برامج المنار حول "إعرف عدوك!"؛ تبين أن قيادة حزب الله لا تعرف هذا العدو فعلا حيث دخلت حرب إسناد، بينما هي في حقيقة الأمر حرب وجود على هذه الأرض؛ في لبنان كما في فلسطين!...
قاتل حزب الله للفوز بالنقاط، بينما قاتلتنا إسرائيل على أساس الإبادة!
ليس الإسرائيلي هو من قضى على قوة الردع التي كنّا نملك...
قيادة حزب الله هي من تسبب بالقضاء على هذه القوة حين لم تستعملها منذ اليوم التالي للسابع من اكتوبر٢٣...
لا نعلم إذا ما كانت إيران تملك فعلا سلاحا سوف تستعمله في "الوقت المناسب!"؛
أصلا، نحن لم نعد نعرف متى هو الوقت المناسب في قاموس محور المقاومة!
يقول أحد الخبراء الأميركيين أن سياسة إيران تقوم على "تحمل الآلام الكبيرة في وقت قليل نسبيا، لنيل الراحة التامة على المدى الأطول"!
إذا كان هذا صحيحا، نحن نقبل كل التضحيات!
لكن الخوف، كل الخوف أن لا يكون المحور تعلّم من كل ما حدث!
ظلت قيادة المقاومة تدور حول نفسها حتى جاءت إسرائيل وقضت على القيادات وعلى القوة الضاربة في المقاومة!...
ظل بشار الأسد يراهن على العربان، ولم يتعلم من خطوة محمد أنور السادات في طلب سحب الخبراء الروس من مصر، فقام بسحب البساط من تحت الإيرانيين والمقاومة في سوريا ليجد الأتراك والروس يضعونه فوق الخازوق، ويرى كل السلاح والصواريخ والطائرات والجيش التي رفض استعمالها لتحرير الجولان وفلسطين يُدمّر كما دمرت إسرائيل صواريخ حزب الله الذي رفع شعار تدمير نصف إسرائيل في نصف ساعة؛
وحين كان يجب فعل ذلك، لم يفعل!
بعد أن رأينا المآسي التي اوصلتنا اليها عقلانية إيران وعقلانية محور المقاومة وعلى رأسه حزب الله، بات يتوجب علينا العودة إلى العقل البشري والعلم البشري والابتعاد عن تقاليد الفروسية والفرسان...
العقل يقول أن أميركا وإسرائيل ليسا بوارد، بل لم يكونا ولن يكونا في وارد عدم محونا وارتكاب الإبادة بحق ناسنا وشعوبنا، لذلك علينا الانتقال إلى الهجوم اللاعقلاني...
علينا التعلم مما حققه رجال الدكتور وديع حداد مع الفيلق الأممي والانتقال الى العنف الثوري ردا على الإرهاب الاميركي الصهيوني...
علينا السعي لامتلاك التكنولوجيا القذرة التي تأهلنا للرد على محاولات محونا بمحوهم هم عن هذا الكوكب!
هذا ليس صعبا إذا ما اتخذنا القرار الصائب بالرد على النار بالنار؛ بالرد على الفوسفور بالفوسفور؛ بالرد على الكيماوي بالكيماوي؛ بالرد على البيولوجي بالبيولوجي؛
بامتلاك النووي للرد على النووي التكتيكي بالنووي التكتيكي؛ بدل إعلان التأكيد تلو التأكيد عدم نيتنا ان نكون رجالا كما كان علي بوتو في باكستان وإن كان الإخوان المسلمين خانوه واعدموه وأرجعوا باكستان الى منطقة النفوذ الأميركي...
إما هذا، أو حلّوا عن ظهرنا واتركوا لنا شرف السير بهذه الأمة إلى المستقبل وقد فعلت باعدائها ما كان هؤلاء الأعداء ينوون فعله بنا...
إذا توفرت النية وتوفر القرار لا شيء يمنعنا من تدمير كل المصالح الأميركية حتى لو اقتضى الأمر تدمير كل منابع النفط والطاقة عندنا قبل تدميرها عند غيرنا!
جولة تدمير الناقلات ومهاجمة الأساطيل الأميركية تثبت أن الحل الوحيد الممكن هو الذهاب إلى الحرب أمس قبل اليوم وعدم انتظار الانتخابات لأن الفريق الأميركي الإسرائيلي سوف يعود إلى الحرب بعد امتصاص ضربات الحرس الثوري لاستعادة المبادرة التي خسرها الأميركي في الخليج ويحافظ الإسرائيلي عليها في لبنان بسبب السلطة اللبنانية العميلة من ناحية، وعقلانية قيادة الثنائي الشيعي التي لا تحمل اي خير يُرتجى!