✍️ عبدالله علي هاشم الذارحي
لم يعد البحر الأحمر مجرد ممرٍّ مائي تعبره السفن، بل تحول إلى ساحةٍ تكشف موازين القوى، وتختبر قدرة الدول المتحالفة مع الرياض على فرض إرادتها.
وخلال الأشهر الماضية، أثبت الواقع أن المعادلات لا تُرسم بالبيانات السياسية، ولا بالإعلانات الإعلامية، ولا بالشائعات، وإنما بالأخلاق، وبالقدرة الفعلية لصنعاء على فرض الحصار بالحصار، والتصعيد بالتصعيد، والتأثير في الميدان.
وفي هذا السياق، جاء قول حسين العزي:
"لو الأمر بالتحالفات ما عبرت سفينة واحدة بأمان، هي فقط أخلاق العظيمة صنعاء من تمنح البحر كل هذا الجمال، وإلا فهي، بفضل الله، تقدر تغلق المندب، وفوق المندب أقاصي المتوسط والهندي (ومن أي شبر في اليمن)، لكنها، كما ذكرت، صنعاء أكثر عواصم الدنيا أخلاقًا وحرصًا على الملاحة، ومن المهم تجنب استفزازها".
ليؤكد أن ما تشهده الملاحة في البحر الأحمر ليس نتيجة كثرة الأساطيل، وإنما نتيجة قرار صنعاء الذي ضبط مسار العمليات وحدد نطاقها على السعودية.
ويعزز هذا المعنى البيان الصادر عن مركز تنسيق العمليات الإنسانية في صنعاء، الذي دعا فيه جميع شركات الشحن ومالكي السفن إلى عدم التجاوب مع أية مطالبات مالية أو طلبات بيانات تصدر من جهات غير مخولة، مؤكدًا أن أي طرف يطلب رسومًا أو مقابلًا للعبور لا يمثل المركز بأية صفة.
ويأتي هذا التوضيح ردًّا على المزاعم التي تحدثت عن فرض رسوم على السفن، في محاولة لتأكيد أن الإجراءات المعلنة لا تقوم على الابتزاز المالي، وإنما على آليات معلنة ورسائل رسمية.
وفي المقابل، فإن ما نشرته مجلةُ "لويدز ليست" بأن التحالُفَ البحري الذي تقترحه السعودية لتأمين البحر الأحمر يواجه تحديات كبيرة، وأنه يبدو، في صورته الحالية، أقرب إلى رسالة سياسية منه إلى قوة بحرية قادرة على تغيير الواقع الأمني، يعكس إدراكًا متزايدًا لدى دوائر الملاحة الدولية بأن التحالفات وحدها لا تكفي لتغيير الوقائع إذا كانت تفتقر إلى القدرة على فرض معادلات جديدة.
إن قرار صنعاء أثبت أن أمن البحر الأحمر لا يتحقق بمجرد حشد السفن الحربية أو تشكيل التحالفات، وإنما بفهم الأسباب التي أدت إلى التصعيد، والتعامل معها بواقعية، بعيدًا عن الرهانات التي لم تحقق أهدافها طوال الفترة الماضية.
لقد أصبح البحر الأحمر عنوانًا لتحول استراتيجي كبير، وأثبتت الأحداث أن أية مقاربة تتجاهل مطالب الشعب، وموازين قوة صنعاء القائمة على الأرض والجو والبحر، ستظل عاجزة عن إنتاج حلول عملية يلمسها الشعب اليمني الصامد.
كما أن سلامة الملاحة الدولية تظل مرتبطة بتجنب توسيع دائرة المواجهة، والابتعاد عن السياسات التي تؤدي إلى مزيد من التصعيد، الذي سيُقابل بالتصعيد.
مما سبق وغيره، تبدو الرسالة أوضح من أي وقت مضى: إن الأخلاق، واحترام الحقائق الميدانية، وتغليب الحكمة اليمنية على الاستفزاز، وتنفيذ مطالب الشعب، هو الطريق الأقرب إلى استقرار الملاحة، أما الاكتفاء بالتحالفات الوهمية والشعارات، فلن يغير من الواقع شيئًا.
لهذا قال سيد القول والفعل: "أطمئن كُلَّ الأحرار والأوفياء والثابتين أن النتيجة الحتمية التي وعد بها اللهُ عبادَه الصابرين والثابتين والمتقين هي النصر، وأن العاقبة للمتقين".