توصل باحثون من معهد كارولينسكا في السويد إلى اكتشاف جديد يوضح أحد الأسباب الرئيسية لتلف الأوعية الدموية لدى المصابين بمتلازمة هاتشينسون – جيلفورد للشيخوخة المبكرة (HGPS)، وهو مرض وراثي نادر يؤدي إلى ظهور أعراض الشيخوخة في سن مبكرة للغاية.
وتشير النتائج، المنشورة في مجلة Genome Medicine، إلى أن تراكم الطفرات الجسدية داخل خلايا الأوعية الدموية قد يكون عاملا أساسيا في تطور تلفها، ما يفتح المجال لفهم أفضل للمرض وتحسين استراتيجيات العلاج.
مرض نادر يسبب الشيخوخة المبكرة
تعد متلازمة هاتشينسون – جيلفورد من الأمراض الوراثية النادرة التي تؤدي إلى تسارع كبير في عملية الشيخوخة.
ويموت معظم المرضى خلال سنوات المراهقة نتيجة الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، إلا أن الآليات البيولوجية الدقيقة التي تؤدي إلى هذا التلف ظلت غير مفهومة بشكل كامل.

تحليل آلاف الخلايا بشكل منفرد
أجرى الباحثون الدراسة على خلايا مأخوذة من الشريان الأورطي لفئران تحمل الطفرة الجينية نفسها الموجودة لدى المصابين بالمرض.
واستخدم الفريق تقنية تسلسل الحمض النووي الريبي أحادي الخلية، التي تتيح دراسة النشاط الجيني داخل كل خلية على حدة، مما سمح بتتبع التغيرات التي تطرأ على جدار الأوعية الدموية مع مرور الوقت.
وشملت الدراسة تحليل نحو 9 آلاف خلية من فئران بأعمار مختلفة.
وقالت البروفيسورة ماريا إريكسون من قسم الطب في معهد كارولينسكا:
"تتيح لنا هذه التقنية متابعة كيفية تأثر الأنواع المختلفة من الخلايا خلال تطور المرض، خطوة بخطوة."
انخفاض تدريجي في الخلايا العضلية الملساء
ركز الباحثون على الخلايا العضلية الملساء الموجودة في جدران الأوعية الدموية، وهي المسؤولة عن منح الأوعية قوتها ومرونتها، وتؤدي دورا أساسيا في الحفاظ على وظائفها الطبيعية.
وأظهرت النتائج أن عدد هذه الخلايا ينخفض تدريجيا مع تقدم المرض.
وقالت الباحثة لارا غارسيا ميرينو، المؤلفة الأولى للدراسة:
"تفقد الخلايا العضلية الملساء تدريجيا سواء في متلازمة الشيخوخة المبكرة أو أثناء الشيخوخة الطبيعية. ومع موت هذه الخلايا يصبح جدار الوعاء الدموي أضعف وأكثر عرضة للإصابة بالأمراض."
الطفرات الجسدية تزيد من تلف الخلايا
اكتشف الباحثون أيضا أن الخلايا العضلية الملساء تراكمت فيها أعداد أكبر من الطفرات الجسدية، وهي تغيرات جينية تحدث خلال حياة الإنسان ولا تورث للأبناء.
وارتبط هذا التراكم بزيادة الإجهاد الخلوي وتنشيط الجينات المسؤولة عن الاستجابة لتلف الحمض النووي.
وأوضحت ماريا إريكسون أن هذه الدراسة تقدم أول دليل على أن تراكم الطفرات الجسدية يعد سمة مميزة لتلف الأوعية الدموية في متلازمة الشيخوخة المبكرة.
آلية جديدة لتلف الأوعية الدموية
أظهرت الدراسة أن تلف الحمض النووي يؤدي إلى سلسلة من التغيرات تبدأ بالإجهاد الخلوي، ثم فقدان الخلايا لوظيفتها الطبيعية وهويتها، وتنتهي بموتها، وهو ما يمثل آلية لم تكن معروفة سابقا في تطور تلف الأوعية الدموية.
كما وجد الباحثون أن التواصل بين أنواع مختلفة من الخلايا داخل جدار الوعاء الدموي قد يسهم أيضا في تطور المرض، مما يشير إلى أن تلف الأوعية لا ينتج عن تغيرات داخل الخلايا فقط، بل عن تفاعل معقد بين عدة آليات بيولوجية.
أهمية العلاج المبكر
يرى الباحثون أن النتائج تؤكد أهمية بدء العلاج في المراحل المبكرة، قبل تراكم كميات كبيرة من تلف الحمض النووي والطفرات الجسدية التي يصعب عكس آثارها.
وأشارت إريكسون إلى أن تقنيات تحرير الجينات الحديثة أصبحت قادرة على تصحيح الطفرة المسببة للمرض، لكن تصحيح الطفرة وحده قد لا يكون كافيا لإصلاح الخلايا التي تعرضت بالفعل لعدد كبير من الطفرات الجسدية، مما يجعل التدخل المبكر أمرا بالغ الأهمية.
نتائج قد تفيد أبحاث الشيخوخة الطبيعية
أكد الباحثون أن الدراسة لا تقتصر أهميتها على مرض الشيخوخة المبكرة، بل تقدم أيضا فهما أعمق للآليات البيولوجية المرتبطة بشيخوخة الأوعية الدموية الطبيعية.
وتوجد أوجه تشابه كبيرة بين الأضرار الوعائية في متلازمة هاتشينسون – جيلفورد وأمراض القلب والأوعية الدموية الشائعة لدى عامة الناس، لذلك يستخدم هذا المرض منذ سنوات نموذجا علميا لدراسة الشيخوخة الطبيعية.
وشدد فريق البحث على أن هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات للتأكد من صحة هذه النتائج لدى البشر قبل تحويلها إلى تطبيقات علاجية.