د . مهدي مبارك عبد الله
لم تكن تصريحات جبريل الرجوب الأخيرة مجرد موقف سياسي عابر أو خلاف تنظيمي حول ترتيب الانتخابات الرئاسية والتشريعية بل جاءت لتفتح الباب واسعاً أمام واحدة من أخطر القضايا التي تواجه حركة فتح والسلطة الفلسطينية منذ سنوات وهي قضية الخلافة في مرحلة ما بعد الرئيس محمود عباس لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة ليس ماذا قال الرجوب بل لماذا قاله الآن ولماذا اختار هذا التوقيت تحديداً بعدما كان لسنوات طويلة أحد أبرز أركان النظام السياسي الفلسطيني وشريكاً في صناعة القرار الخاطئ ومسؤولاً في أعلى هرم الحركة والسلطة وما ينبغي فهمه هنا ان السياسة لا تقرأ بالتصريحات وبمعزل عن توقيتها ولا تفصل المواقف عن مصالح أصحابها الشخصية ولذلك فإن فهم تصريحات الرجوب لا يبدأ من مضمونها بل من اللحظة التي خرجت فيها إلى العلن وما تخفيه من رسائل تتجاوز ظاهر الكلمات إلى عمق الصراع الذي يدور داخل البيت الفتحاوي على السلطة والنفوذ ومستقبل القيادة الفلسطينية منذ زمن ليس بعيد .
قد لا يختلف اثنان على أن كثيراً مما طرحه الرجوب بشأن احتكار القرار وتراجع الحياة التنظيمية وغياب الشراكة والديمقراطية وتأجيل الانتخابات يلامس أزمات حقيقية يعيشها النظام السياسي الفلسطيني منذ سنوات لكن هذه الحقيقة تفتح في المقابل باباً آخر للتساؤل فإذا كانت هذه الاختلالات موجودة منذ زمن طويل فأين كان صوت الرجوب عندما كان محافظاً ورئيساً لجهاز الأمن الوقائي وعضواً نافذاً في اللجنة المركزية وأحد أكثر الشخصيات تأثيراً في صناعة القرار ولماذا لم تتحول هذه الملاحظات إلى معركة إصلاحية شاملة عندما كان يمتلك النفوذ والقدرة على التأثير داخل المؤسسة وإن طرح هذه الأسئلة ليست محاولة منا لنفي صحة ما يقوله اليوم وإنما محاولة لفهم دوافعه لأن السياسة لا تحاكم الأفكار فقط بل تحاكم أيضاً توقيت إعلانها ومرحلة ظهورها .
عمليا يصعب فصل تصريحات الرجوب عن نتائج المؤتمر الثامن لحركة فتح الذي لم يكن مجرد محطة تنظيمية عادية بل نقطة تحول حاسمة في إعادة رسم موازين القوى داخل الحركة حيث أفرز قيادة جديدة عززت نفوذ الدائرة المقربة من الرئيس محمود عباس وعلى رأسها حسين الشيخ وماجد فرج فيما تراجعت مكانة شخصيات كانت حتى وقت قريب تعد من صناع القرار الكبار وبينهم جبريل الرجوب الذي وجد نفسه منتخباً في اللجنة المركزية لكنه بعيد عن المفاصل الأكثر تأثيراً بعد توزيع الصلاحيات والمواقع وهو ما فسره كثيرون بأنه بداية إخراجه التدريجي من معادلة الخلافة لذلك لم تكن تصريحاته سوى إعلان واضح بأنه يرفض القبول بدور المتفرج وأنه ما زال يعتبر نفسه رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه في كل ترتيبات اليوم التالي .
على هذا الاساس يمكن فهم دعوة الرجوب إلى إجراء الانتخابات الرئاسية قبل التشريعية ولا يمكن النظر إليها بوصفها مجرد اجتهاد قانوني أو تنظيمي لأنها تحمل في جوهرها رؤية سياسية مختلفة لمستقبل النظام الفلسطيني خاصة وان الانتخابات الرئاسية إذا جرت أولاً سوف تمنح الشرعية مباشرة للشعب وتفتح الباب أمام منافسة الشخصيات ذات الحضور الشعبي والجماهيري بينما يرى كثير من المراقبين أن تقديم الانتخابات التشريعية اولا سيمنح أفضلية أكبر للقوى المسيطرة على المؤسسات الحزبية والتنظيمية في رسم ملامح المرحلة التالية كما يجري دائما ولهذا فإن الخلاف لم يعد خلافاً حول ترتيب الاستحقاقات وإنما أصبح خلافاً حول من يمتلك مفتاح الوصول إلى الرئاسة في رام الله ما بعد مرحلة عباس .
الحقيقة الراسخة أن أزمة الخلافة داخل حركة فتح لم تعد سراً يخفيه أحد والرئيس محمود عباس الذي تجاوز التسعين من عمره ما زال يجمع بين رئاسة السلطة ورئاسة حركة فتح ورئاسة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير في وقت ولا توجد عمليا أي آلية سياسية أو تنظيمية واضحة ومتفق عليها لانتقال القيادة الأمر الذي فتح الباب أمام صراع مكتوم بين أكثر من مركز قوة داخل الحركة حيث يجري تداول أسماء متعددة في هذا السياق من بينها حسين الشيخ ومروان البرغوثي وجبريل الرجوب إلى جانب أحاديث وتحليلات سياسية تتناول أدواراً محتملة لشخصيات أخرى من بينها ابن الرئيس ياسر عباس من دون وجود إعلان رسمي يؤكد أياً من تلك السيناريوهات وهو ما يعكس حجم الغموض الذي يحيط بالمرحلة المقبلة أكثر مما يعكس حقائق واضحة ومحسومة.
البعض يقول انه إذا كان الرجوب يحاول اليوم تقديم نفسه باعتباره صوت الإصلاح والتغيير داخل حركة فتح فإن خصومه يملكون بدورهم سؤالاً مشروعاً وهو كيف يمكن لمن كان جزءاً من المنظومة طوال سنوات أن يتحول فجأة إلى أبرز منتقديها ولماذا لم نسمع هذا الخطاب التحريضي عندما كانت السلطة أكثر تماسكاً وكانت مواقع النفوذ بين يديه وإن هذا السؤال لا يسقط قيمة المراجعة السياسية لكنه يضعها أمام امتحان المصداقية لأن المراجعات الوطنية الحقيقية تبدأ عندما يكون ثمنها خسارة المنصب لا بعد خسارته .
المفارقة المؤلمة أن هذا الاشتباك الداخلي يتصاعد بينما يعيش الفلسطينيون واحدة من أخطر المراحل في تاريخهم المعاصر ومع زيادة التعقيد والتشابك في حيثيات هذه المعركة الداخلية تبدو الصورة الفلسطينية أكثر إيلاماً فبينما تتوسع المستوطنات وتتكرر اقتحامات المدن والقرى والمخيمات وتتصاعد اعتداءات المستوطنين ويواصل الاحتلال فرض وقائع جديدة على الأرض ينشغل قادة أكبر حركة فلسطينية بمعركة الوريث القادم ويغيب المشروع الوطني الجامع خلف حسابات المواقع والمفوضيات واللجان وكأن الزمن الفلسطيني توقف عند سؤال اعلمونا من سيجلس على الكرسي بينما الأرض نفسها تتآكل وتسرق من تحت أقدام أصحابها وهذه هي المفارقة التي تزيد من حالة الإحباط الشعبي وتعمق أزمة الثقة بين المواطن والقيادة.
جماهيريا وشعبيا لا يمكن فصل هذا المشهد عن استمرار الانتقادات الفلسطينية لأداء السلطة في الضفة الغربية وخصوصاً ما يتعلق بالتنسيق الأمني الذي ترى شريحة واسعة من الفلسطينيين أنه لم ينجح في حماية المواطنين من اعتداءات الاحتلال والمستوطنين بينما تؤكد القيادة الفلسطينية أن سياساتها الأمنية والسياسية تحكمها اعتبارات معقدة في ظل موازين القوى القائمة وبغض النظر عن هذا الجدل فإن النتيجة الواضحة هي أن المواطن الفلسطيني يقيس أداء قيادته بقدرتها على حمايته وتعزيز صموده أكثر مما يقيسه بصراعات الأجنحة داخل المؤسسات.
من الناحية السياسية تبدو السيناريوهات مفتوحة على أكثر من احتمال فقد تنجح الدائرة الحالية في تثبيت مرشحها للمرحلة المقبلة وقد تفرض موازين القوى الداخلية والإقليمية والدولية صيغة توافقية مؤقتة وقد يفرض الشارع الفلسطيني معادلة مختلفة إذا أتيحت له فرصة الاحتكام إلى انتخابات حقيقية لكن المؤكد أن أي انتقال للسلطة لن يكون مستقراً ما لم يستند إلى شرعية شعبية واضحة وإلى مؤسسات قادرة على إدارة الاختلاف بعيداً عن منطق الإقصاء وتصفية الحسابات.
ما يجب ادراكه حسيا ان القضية في النهاية ليست قضية جبريل الرجوب ولا حسين الشيخ ولا أي اسم آخر يتطلع إلى خلافة محمود عباس فالأشخاص يذهبون وتبقى الأوطان أما الخطر الحقيقي فهو أن تتحول حركة فتح من حركة تحرر وطني صنعت تاريخاً طويلاً من النضال إلى ساحة صراع على سلطة محدودة الصلاحيات تعمل تحت الاحتلال بينما تتراجع القضية الفلسطينية نفسها إلى المرتبة الثانية وهذا هو التحدي الأكبر الذي يواجه الحركة قبل أن يواجه أي قائد فيها.
ربما السؤال الذي لن تستطيع أي تصريحات الهروب منه وهو هل جاءت هذه الصحوة السياسية المتأخرة دفاعاً عن الوطن أم احتجاجاً على خسارة الموقع والنفوذ وهل كان الرجوب سيقول ما قاله لو بقي ممسكاً بالمفاصل التي كان يديرها طوال السنوات الماضية أم أن الإقصاء وحده هو الذي حرر لسانه وحرك همته ومنحه شجاعة المكاشفة في وقت إن الفلسطينيين الذين دفعوا أثماناً باهظة من دمائهم وأرضهم لا ينتظرون معارك جديدة على المناصب بقدر ما ينتظرون قيادات تمتلك الشجاعة للاعتراف بالأخطاء وهي في ذروة قوتها لا بعد أفول نفوذها لأن الوطن لا يحتاج إلى صحوات متأخرة بقدر ما يحتاج إلى ضمائر يقظة قبل أن تضيع المناصب وقبل أن تضيع معها فلسطين نفسها .
داخل دهاليز السياسة العميقة لا تحاكم الأقوال وحدها وإنما تحاكم أيضاً التوقيت والدوافع ومن هنا فإن كثيراً من المراقبين لا يقرأون تصريحات الرجوب باعتبارها بداية إصلاح حقيقي وإنما باعتبارها إعلاناً عن انتقال الصراع من داخل مؤسسات الحركة إلى الفضاء العام في محاولة لإعادة بناء شرعية جديدة تستند إلى القواعد التنظيمية والرأي العام بعد انحسار الشرعية المستمدة من الموقع الرسمي ولهذا فان نظرة قطاع واسع من الفلسطينيين لتصريحات الرجوب بانها لم تهبط من فراغ وهي أقرب إلى احتجاج سياسي على الإقصاء منها إلى ثورة أخلاقية بريئة على واقع الحركة.
إن أخطر ما في الأزمة الحالية ليس احتمال فوز هذا الطرف أو ذاك في سباق الخلافة وإنما أن تتحول حركة فتح إلى ساحة استنزاف داخلي في لحظة تاريخية تحتاج فيها القضية الفلسطينية إلى أكبر قدر من التماسك خاصة وان الاحتلال الاسرائيلي لا ينتظر نتائج المؤتمرات التنظيمية والاستيطان لا يتوقف ريثما تُحسم معارك المواقع والواقع على الأرض يفرض تحديات لا تعترف بخلافات الأجنحة.
انصافا للحق وصونا للمصداقية قد يعترض البعض على ما كتبنا وذكرنا بالقول من حق أي مسؤول فلسطيني أن يراجع تجربته وأن ينتقد أخطاء المرحلة وأن يطالب بالإصلاح والتجديد فالمراجعة فضيلة إذا جاءت في وقتها وكانت شاملة ولم تستثن صاحبها من المساءلة وقد يكون جبريل الرجوب محقاً في جانب من انتقاداته وقد يكون مصيباً في تشخيصه لبعض أمراض حركة فتح لكن السياسة لا تقيس صدقية المواقف بما يقال فقط بل أيضاً بموعد قوله والشجاعة التي تولد بعد خسارة المنصب ليست كالشجاعة التي تُمارس في ذروة النفوذ والمراجعات التي تأتي بعد الإقصاء تختلف كثيراً عن المراجعات التي تُقدَّم دفاعاً عن المبادئ عندما يكون ثمنها التضحية بالموقع والامتيازات. لكن ما يثير التساؤل هو أن كثيراً من هذه الصحوات السياسية لا تظهر إلا بعد خسارة المنصب أو تقلص النفوذ أو تبدل موازين القوة .
التجارب التاريخية أثبتت أن الأوطان لا تُبنى بردود الفعل ولا تُنقذها المراجعات المتأخرة إذا اقتصرت على تصفية الحسابات بين الأجنحة والوطن يحتاج إلى شجاعة تُقال في زمن القوة قبل زمن الضعف وإلى كلمة حق تُقال عندما يكون ثمنها المنصب لا بعد فقدانه وإلى قيادات تضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الشخصية أما إذا بقيت الاعترافات لا تخرج إلى العلن إلا بعد الإقصاء فإنها، مهما حملت من حقائق، ستظل مطاردة بسؤال لن يفارقها أين كانت هذه الجرأة عندما كنتم جميعاً تمسكون بمقاليد القرار؟ وأين كانت هذه الدعوات إلى الديمقراطية والمحاسبة حين كانت السلطة أكثر قوة وكانت حركة فتح أكثر قدرة على مراجعة نفسها ؟
ختاما : الفلسطينيين الذين أنهكتهم سنوات الانقسام والاحتلال والاستيطان لن يكتفوا بالاستماع إلى خطابات الغضب المتأخرة وهم يشاهدون بعض قياداتهم تبدو وكأنها تستيقظ وطنياً فقط عندما تستيقظ على خبر إقصائها من دوائر النفوذ وعندما تصبح الوطنية مرتبطة بفقدان المنصب والإصلاح مرهون بخسارة الموقع حيث يصبح من حق الفلسطينيين أن يتساءلوا هل هذه صحوة ضمير حقيقية أم صحوة مصالح شخصية ؟ وهل الدافع لها إنقاذ الوطن أم استعادة الحصة الضائعة ؟ وبين هذين الاحتمالين تقف حركة فتح اليوم أمام امتحان تاريخي صعب لأن ما سيحكم عليه الفلسطينيون في النهاية ليس براعة الخطب ولا قسوة التصريحات بل قدرة القيادة على استعادة ثقة شعبها وتجديد شرعيتها وإعادة توجيه البوصلة من صراع الورثة إلى معركة التحرر التي وُجدت الحركة من أجلها.
كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية