”تدار بعض المعارك في العلن، وتحاك أخرى في الظل، وبين الظل والعلن تتبدى حقيقة السياق الإيراني بوصفه ساحة لاختبار الإرادات، وميزانا لتقدير القوة، ومسرحا لصراع تتداخل فيه السياسة والأمن والإعلام بالتحريض، والضغط بالاختراق. وفي هذا المشهد لا تبدو الضغوط المتراكمة على بلاد الحضارة الفارسية طارئة أو بريئة، بل أقرب إلى هندسة باردة تحسن توزيع الفوضى والتشظي، وتراهن على إنهاك الدولة من الداخل ثم ابتزازها من الخارج."
خيوط المشهد:
التحليلات والقراءات المتخصصة تشير إلى أن الاحتجاجات السابقة داخل هذا البلد القاري ارتبطت في موجاتها المتعاقبة، بأسباب اقتصادية واجتماعية وأمنية عميقة، لا مجرد انفجار عابر أو حادث منفرد. هذا المعطى مهم، لأنه يبين أن أي قراءة ودراسة جادة لا ينبغي أن تسقط العامل الداخلي، ولا تختزل الحراك في شعار المؤامرة والمخطط السري وحده، فالأزمة مركبة، وتتغذى من تراكمات بنيوية، ثم تستغل خارجيا حين تحين لحظة الوهن. وهنا تتلاقى السياسة مع القاعدة القديمة: ”من حفر حفرة لأخيه وقع فيها" لأن الاستفزاز إذا طال عاد على أصحابه قبل خصومهم، وارتدت ناره على من أوقدها.
من التفكك والإنفلات إلى المكاسب الوطنية:
إن ما يسمى في الأدبيات السياسية والأمنية ب ” الفوضى الخلاقة" لا ينتج التشظي فقط، بل يعيد توزيع النفوذ، ويمنح الأطراف الأكثر استعدادا للمناورة قدرة على اقتناص الفرصة. لذلك فإن زعزعة استقرار الداخل لبلاد فارس لا تبقى داخل حدودها، لأن موقعها الجغرافي وثقلها العسكري وصلاتها الإقليمية يجعل أي اهتزاز فيها متصلا مباشرة بتوازنات الجوار. وهنا يظهر ويتقدم المنتفع الأول من إنهاك المنطقة: كل كيان يرى في اضطراب خصمه فرصة لتوزيع هامشه، وتعزيز ردعه، وتخفيف الابتزاز والتضييق عن نفسه. ومن ثم فإن ربط الاضطراب الإيراني بمكاسب الخصوم ليس تنظيرا مجانيا، بل دراسة في منطق القوة حين تعمل على قاعدة: ”فرق تسد"، وهي قاعدة قديمة تستعاد بأدوات حديثة،
صمود وثبات لا ينكسر:
ومع ذلك، فإن قوة الدول لا تقاس بما تتعرض له فقط، بل بكيفية امتصاص الصدمة وتحويلها إلى صلابة. فكلما اشتد الحصار السياسي والإعلامي، برزت قيمة التماسك الداخلي، وكلما ارتفع منسوب الاستهداف، اتضح أن الدولة المقصودة ليست هامشية في معادلة الإقليم. ومن هنا يمكن فهم إصرار إيران على البقاء لاعبا صعبا، لا مجرد ساحة مفتوحة للتجريب. فالتاريخ يعلمنا أن الأمم التي تحسن الصبر، وتجمع بين الوعي واليقظة، قادرة على تحويل المحنة إلى منحة ومنعة، واستثمار الشدائد لبناء مزيد من المناعة والضغط إلى اقتدار.
الخاتمة:
الخلاصة أن مشهد الجمهورية الإسلامية الإيرانية لا يقرأ بخط واحد، بل بخيوط متعددة تتشابك فيها الأسباب الداخلية مع الحسابات الخارجية. غير أن المؤكد أن كل مشروع يراهن على تفكيك الدولة من الداخل، ثم بيع الفوضى باسم الإصلاح، يقترب من منطق المقامرة أكثر مما يقترب من منطق السياسة. وما دام الوعي قائما، وما دامت القراءة ناقدة لا منفعلة، فإن المؤامرة تبقى قابلة للتوضيح، ومصيرها إلى انكشاف، وحين تتهاوى أقنعة المتآمرين، تنهض إيران أصلب عودا، وتبقى عصية على الترويض، عصية على الانكسار. وهكذا تتبدد المغامرة، وتخسر المقامرة، وتنقلب المؤامرة على صانعيها، حين ينتصر الوعي على التضليل، والثبات على المراهنة.
كاتب دمشقي حر.