كتب: موسى عبّاس
مِنَ الفَرْضِ بالقُوَّةِ إلى التَّسْعيرِ بالكُلْفَةِ.. كَيفَ دَخَلَ الشَّرقُ الأَوْسَطُ عَصْرَ الفَواتيرِ.
في عِلْمِ السِّياسةِ هُناكَ لَحْظَةٌ يَتَحَوَّلُ فيها المُنْتَصِرُ إلى مَدينٍ. تِلكَ اللَحْظَةُ وَصَلَتْ في الشَّرقِ الأَوْسَطِ. لَمْ تَعُدْ واشِنْطُنُ تَفْرِضُ، فَصارَتْ تُفاوِضُ. وَلَمْ يَعُدِ الكيانُ الصِّهْيَونيُّ يَحْسِمُ، فَصارَ يُماطِلُ. والسَّبَبُ: الصُّمودُ صارَ أَغْلى مِنَ الضَّرْبَة.
أَوَّلًا: هُرْمُز.. نِهايَةُ أُسطورةِ شُرْطيِّ .الخليجِ
لِعُقودٍ كانَ مَضيقُ هُرْمُزَ بَنْدَ مُسَلَّماتٍ في البَنْتاغونِ، والأُسْطولُ الخامِسُ كَفيلٌ بِهِ، اليَومَ صارَ بَنْدَ تَفاوُض.
تَأْجيلُ الضَّرْبَةِ على إيرانَ مُقابِلَ تَفاهُمٍ حَوْلَ المِلاحَةِ لَيْسَ تَكْتيكًا عابرًا؛ هُوَ اعْتِرافٌ صَريحٌ بِأَنَّ إِغْلاقَ المَضيقِ لِيَومٍ واحِدٍ يُساوي كارِثَةً اقْتِصادِيَّةً أَمْرِيكِيَّةً وعالَمِيَّةً. إيرانُ لَمْ تُغْلِقْهُ، ولكِنْ يَكْفي أَنَّها قادِرَةٌ على ذلِك، وهَذا هُوَ الابْتِزازُ الاِسْتراتيجيُّ الجَديدُ.
النَّتيجَةُ: شُرْطيُّ الخليجِ لَمْ يَعُدْ يَأْمُرُ.. صارَ يَسْأَلُ: بِكَمْ؟.
صُمودُ المِحْوَرِ
صُمودُ المِحْوَرِ يُنهي أُسطورةَ شُرْطيِّ الخليجِ ومَشْروعَ نَتَنْياهو.
ثانِيًا: غَزَّةُ.. مَشْروعُ نَتَنْياهو يَغْرَقُ في اليَومِ التَّالي.
النَّصْرُ المُطْلَقُ تَحَوَّلَ إلى مُسْتَنْقَعٍ مُطْلَقٍ. الجَيْشُ يُدَمِّرُ ولا يَبْني، يَكْسَبُ مَعارِكَ ويَخْسَرُ حَرْبًا.لا سُلْطَةَ في غَزَّةَ، ولا هُدوءَ في الضِّفَّةِ ولا أَمْنَ مضمون للشَّمالِ، يَفْتَخِر وزير حرْ بِه بجرْف وتدْمّير القرى اللبنانية لكنّه يعلم أنًّ الأمور قد تنقَلِب بين ليلَةٍ وضُحاها فهو يُفاوِض من جُعْبَتهُ فارِغة. وصَواريخُ إيران واليَمَنِ مُجَهّزة.
داخِلَ واشِنْطُنَ تَغَيَّرَ الخِطابُ؛ الكيانُ الصِّهْيَونيُّ لَمْ يَعُدْ أَصْلًا اسْتراتيجيًّا بَلْ فاتورَةً مَفْتوحَةً. ترامْبُ نَفْسُهُ بَدَأَ يُهاجِمُ نَتَنْياهو: "المُتَهَوِّرُ الَّذي يُريدُ جَرَّنا لِحَرْبٍ".
التَّرْجَمَةُ: مَشْروعُكَ كُلْفَتُهُ أَكْبَرُ مِن عائِداتِهِ.. دَبِّرْ أَمْرَكَ.
ثالِثًا: روما وَغَزَّةُ.. سوقُ الوَقْتِ وإِدارَةُ الفَوْضى.
لا أَحَدَ يُريدُ حَلًّا جَذْرِيًّا، الكُلُّ يَشْتَري وَقْتًا. ترامْبُ يُريدُ صُورَةَ سَلامٍ قَبْلَ الانْتِخاباتِ، ونَتَنْياهو يُريدُ مُماطَلَةً ومُداوَرَةً. الجَميعُ يُفاوِضُ ويُطْلِقُ النَّارَ في آنٍ واحِدٍ، في إِطارِ ما يُسَمَّى "إِدارَةِ الفَوْضى المَضْبوطَةِ".
رابِعًا: الخليجُ.. فاتورَةُ الحِمايَةِ المَفتوحَةُ والاستنزاف
ترامْبُ يَبْتَزُّ دُوَلَ الخَليجِ وَيُلْزِمُها دَفْعَ فاتورَةِ الحَرْبِ المالِيَّةِ عبر صَفَقاتِ سِلاحٍ بِمِئاتِ المِلياراتِ، وَاسْتِثْماراتٍ تُسَحَبُ لِتَمْويلِ العَجْزِ الأَمْرِيكِيِّ. لَكِنَّ السُّؤالَ: إِلى مَتى؟
أَمّا سائِرُ الفاتورَةِ فَيَدْفَعُها الجَميعُ: لا غَزَّةُ وَلُبْنانُ وَاليَمَنُ وإيران وَحْدَهُم، فَهَناكَ فاتورَةُ الخَسائِرِ البَشَرِيَّةِ وَالمادِّيَّةِ لَدَى الكيانِ الصِّهْيَونيِّ، وَفاتورَةُ القَتْلى وَالجَرْحى وَالعَتادِ لَدَى القُوّاتِ الأَمْرِيكِيَّةِ، وَفاتورَةُ التَّوَتُّرِ وَالاسْتِنْزافِ لَدَى دُوَلِ الخَليجِ. الحَرْبُ اليَومَ صارَتْ دَفْتَرَ حِساباتٍ مَفْتوحًا عَلى الجَميعِ ومُكلِفَة للجميع.
📋. قَوانينُ عَصْرِ الفَواتيرِ الجَديدَةُ.لا قُوَّةَ بِلا كُلْفَةٍ: كُلُّ ضَرْبَةٍ يَجِبُ أَن يُوَقِّعَ عَلَيْها وَزيرُ المالِيَّةِ.
تَكافُؤُ الكُلْفَةِ: لِلصُّمودِ فاتورَةٌ بَشَرِيَّةٌ وَمادِّيَّةٌ قاسِيَةٌ، وَلِلْقُوَّةِ العُظْمى فاتورَةٌ اقْتِصادِيَّةٌ لَمْ تَعُدْ تَقْوى عَلَيْها،فالأصوات تعلو رسميّاً وشعًبِيّاً، ورُبَما خسارة ترامب وحزبَه للإنتخابات القادِمة وَشيكَة..
المَمَرَّاتُ تُساوي سِيادَةً: هُرْمُزُ وَبابُ المَنْدَبِ أَهَمُّ مِنْ مَجْلِسِ الأَمْنِ.
الحِمايَةُ سِلْعَةٌ: مَنْ لا يَدْفَعُ فاتورَةَ الحِمايَةِ، يُدْفَعُ ثَمَنَ الفَراغِ.
الفَراغُ يُمْلَأُ: كُلُّ شَهْرِ اسْتِنْزافٍ هُنا يُساوي تَقَدُّمًا لِرُوسيا وَالصّينِ هُناكَ.
📌السَّطْرُ الأخير:
لَمْ يَعُدْ أَحَدٌ يَسْأَلُ: مَنِ الأَقْوى؟ السُّؤالُ الجَديدُ: مَنْ يَمْلِكُ النَّفَسَ الأَطْوَلَ؟ والإِجابَةُ بَدَأَتْ تَظْهَرُ: الغَلَبَةُ لِمَنْ يَقْوى عَلى دَفْعِ الفاتورَةِ وَالاِنتِظارِ والصّبْرْ.
فَلَمْ يَعُدْ هناك من مفَرّ.