عندما يصبح التفكير خصمًا لصاحبه
مقالات
عندما يصبح التفكير خصمًا لصاحبه
عباس المعلم
5 آب 2026 , 10:13 ص

لم يُخلق التفكير ليُرهق الإنسان، بل ليحميه ويعينه على فهم العالم واتخاذ القرار. لكن العقل قد ينحرف أحيانًا عن وظيفته الطبيعية، فيتحول من أداةٍ لحل المشكلات إلى مصنعٍ لا يتوقف عن إنتاجها. وهنا يدخل الإنسان في حالة تُعرف بـالاجترار الذهني؛ إذ يعيد تحليل الموقف الواحد عشرات المرات، لا بحثًا عن الحقيقة، بل بحثًا عن يقينٍ كامل لا يمكن للعقل البشري أن يبلغه.

ومع استمرار هذه الحلقة، يبدأ الدماغ بفقدان قدرته على التمييز بين التفكير المنتج والتفكير المستنزِف. فتزداد الحمولة المعرفية، وتتراجع مرونة اتخاذ القرار، ويظهر ما يعرف بـالشلل التحليلي؛ حيث يصبح الإنسان قادرًا على تصور جميع الاحتمالات، لكنه عاجز عن اختيار أحدها. وكلما ازداد التفكير، انخفضت جودة القرار، لأن العقل المرهق لا يرى الواقع كما هو، بل كما رسمته مخاوفه وافتراضاته.

ولا يتوقف الأثر عند الجانب النفسي، بل يمتد إلى الجسد والسلوك. فالبقاء في حالة يقظة ذهنية مستمرة يُبقي الجهاز العصبي في وضع الاستنفار، ويرفع مستويات التوتر، ويؤثر في النوم والتركيز والذاكرة والانفعال. والأسوأ أن الإنسان يظن أنه يقترب من الحل، بينما هو في الحقيقة يستهلك طاقته في تدوير الفكرة ذاتها، حتى تصبح المشكلة داخل رأسه أكبر بكثير من حجمها في الواقع.

ولهذا فإن النضج العقلي لا يعني أن تُفكر أكثر، بل أن تعرف متى تتوقف عن التفكير. فالعقول القوية ليست تلك التي تلاحق كل فكرة، بل التي تمتلك القدرة على فرزها، وترك ما لا يستحق منها يمر دون مقاومة. لأن أخطر لحظة يمر بها الإنسان ليست حين يواجه خصمًا خارجًا عنه، بل حين يصبح عقله نفسه الخصم الذي يستنزف سلامه الداخلي، ويحرمه من أبسط أشكال الطمأنينة.

عباس المعلم - إعلامي لبناني