لم يعد البحر الأبيض المتوسط مجرد حدود بحرية تفصل بين القارات، بل أصبح اليوم أحد أهم مراكز التنافس الجيوسياسي في العالم، حيث تتقاطع فيه ملفات الأمن والطاقة والهجرة والتجارة والاستقرار السياسي. وبينما تتوالى الأزمات على ضفتيه، من الحرب في غزة ولبنان إلى التطورات في سوريا ، ومن التحديات الأمنية في ليبيا إلى التحولات الاقتصادية في شمال إفريقيا، تبدو أوروبا مطالبة بالانتقال من سياسة إدارة الأزمات إلى سياسة صناعة الحلول.
وفي هذا السياق، تبدو إيطاليا الدولة الأوروبية الأكثر قدرة على قيادة رؤية جديدة تجاه منطقة المتوسط. فموقعها الجغرافي، وعلاقاتها التاريخية مع الدول العربية، ونهجها الدبلوماسي القائم على الحوار، يمنحانها فرصة لقيادة مشروع استراتيجي يعيد رسم العلاقة بين أوروبا وجوارها الجنوبي على أسس الشراكة والمصالح المشتركة.
ولعل الوقت قد حان لكي تطرح روما، بالتعاون مع شركائها الأوروبيين والعرب، مبادرة متوسطية شاملة يمكن أن تحمل اسم “مبادرة روما للمتوسط”، ليس باعتبارها مشروعا قائما، بل بوصفها رؤية مستقبلية تستحق الدراسة والتبني، لتصبح إطارا طويل الأمد للتعاون السياسي والاقتصادي والأمني والثقافي بين ضفتي المتوسط.
وينبغي أن تشمل المبادرة أيضا دعم الجهود الدولية لإحياء عملية السلام العادل في القضية الفلسطينية، ومساندة الاستقرار في ليبيا، وتعزيز مسار التنمية والإصلاح في تونس، وتوسيع الشراكة الاقتصادية والاستثمارية مع المغرب، بما يعزز التكامل الاقتصادي بين أوروبا وشمال إفريقيا.
كما ينبغي أن تمنح المبادرة أهمية خاصة للشراكة الاستراتيجية مع الجزائر، التي أصبحت لاعبا محوريا في معادلة أمن الطاقة، خاصة في ظل التحولات التي يشهدها العالم بعد الأزمات الدولية. ويمكن لإيطاليا، من خلال تعزيز التعاون مع الجزائر، أن تسهم في بناء منظومة متوسطية أكثر استقرارا في مجال الطاقة، بما يخدم مصالح الطرفين ويعزز أمن الإمدادات الأوروبية.
وفي الوقت نفسه، يمكن للمبادرة أن تشكل إطارا مشتركا لمعالجة أزمة الهجرة غير النظامية من جذورها، عبر دعم التنمية وخلق فرص العمل في دول المنشأ، بدلا من الاكتفاء بالحلول الأمنية. كما يمكن أن تؤسس لشراكة متقدمة في مكافحة الإرهاب والتطرف والجريمة المنظمة وشبكات الاتجار بالبشر، انطلاقا من قناعة بأن أمن المتوسط مسؤولية جماعية لا يمكن لأي دولة أن تواجهها بمفردها.
إن البحر الأبيض المتوسط لا يحتاج اليوم إلى مزيد من خطوط الفصل، بل إلى مزيد من الجسور. وإيطاليا، بما تمتلكه من ثقل سياسي واقتصادي ومكانة تاريخية، قادرة على أن تتحول من دولة تواكب الأحداث إلى دولة تصنع المبادرات وترسم ملامح مرحلة جديدة من التعاون الإقليمي.
ومن هنا، فإن هذه الرؤية تمثل دعوة صادقة إلى السيدة رئيسة الوزراء الإيطالية، وإلى الحكومة الإيطالية، لإطلاق نقاش وطني وأوروبي وعربي حول هذه المبادرة. فقد تصبح “مبادرة روما للمتوسط” إحدى أهم بصمات السياسة الخارجية الإيطالية في القرن الحادي والعشرين، وفرصة تاريخية لترسيخ مكانة إيطاليا بوصفها الجسر الحقيقي بين أوروبا والعالم العربي، وصاحبة مشروع يعيد للمتوسط رسالته التاريخية كبحرٍ للتعاون والسلام والازدهار.