حين يصبح استقرار الشرق الأوسط جزءا من أمن أوروبا
مقالات
حين يصبح استقرار الشرق الأوسط جزءا من أمن أوروبا
وائل المولى
11 آب 2026 , 06:58 ص

لم يعد الشرق الأوسط منطقة بعيدة تستطيع أوروبا أن تراقب أزماتها من خلف البحر المتوسط. فما يجري في هذه المنطقة أصبح مرتبطا بصورة مباشرة بالأمن الأوروبي والاقتصاد والطاقة والهجرة والتجارة، بل وبالتوازنات السياسية داخل القارة نفسها.

فالحروب والأزمات الممتدة في إيران والخليج وفلسطين ولبنان واليمن وليبيا وغيرها، لا تنتج فقط دمارًا وضحايا داخل حدودها، وإنما تخلق تداعيات تتجاوز الجغرافيا وتمتد آثارها إلى ما وراء المنطقة. وكلما طال أمد الصراعات، اتسعت موجات النزوح والهجرة، وازدادت الضغوط على الدول الأوروبية، التي تجد نفسها أمام معادلة صعبة تجمع بين حماية حدودها والوفاء بمسؤولياتها الإنسانية.

لكن الهجرة ليست سوى الوجه الأكثر وضوحا لهذه التداعيات. فالشرق الأوسط يقع في قلب منظومة الطاقة العالمية، كما تمر عبر مياهه وممراته البحرية طرق رئيسية للتجارة الدولية. وأي اضطراب في الخليج أو مضيق هرمز، أو أي تهديد للملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف النقل والتأمين، وأن ينعكس على سلاسل الإمداد والأسواق الأوروبية. وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن هذه المخاطر ليست افتراضية، بل يمكن أن تتحول سريعًا إلى أعباء اقتصادية ملموسة.

فما يبدو أزمة بعيدة في البحر الأحمر، قد يتحول خلال وقت قصير إلى ارتفاع في أسعار السلع والطاقة وتكاليف النقل داخل المدن الأوروبية.

ولا يقل خطر الإرهاب والتطرف أهمية عن ذلك. فالصراعات الطويلة، وانهيار مؤسسات الدولة، والفقر، وغياب التنمية، كلها عوامل يمكن أن توفر بيئة مواتية لنمو الجماعات المتطرفة واستغلال حالة الفوضى. ومن هنا، فإن استقرار دول المنطقة أصبح جزءًا من منظومة الأمن الأوروبي، لأن مكافحة الإرهاب لا تبدأ فقط عند الحدود الأوروبية، وإنما تبدأ أيضًا من معالجة الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تسمح له بالنمو والتمدد.

وفي المقابل، لا ينبغي أن تنظر أوروبا إلى الشرق الأوسط من زاوية المخاطر وحدها. فالمنطقة تمثل أيضًا مجالا واسعا للتعاون في قطاعات الطاقة والاستثمار وإعادة الإعمار والتجارة والتنمية.

وهنا تبرز أهمية البحر المتوسط، حيث تستطيع دول مثل إيطاليا وفرنسا وإسبانيا واليونان أن تؤدي دورا أكثر فاعلية، بحكم موقعها الجغرافي وعلاقاتها التاريخية والاقتصادية مع العالم العربي وشمال أفريقيا. فتعزيز الاستقرار في سوريا ولبنان وليبيا وتونس، ودعم أمن المتوسط، وتطوير التعاون في ملفات الطاقة والهجرة ومكافحة الإرهاب، يمكن أن يشكل جزءًا من رؤية أوروبية أكثر واقعية واستباقا، تقوم على معالجة الأزمات قبل أن تتحول إلى تهديدات عابرة للحدود.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن أوروبا لا تستطيع عزل نفسها عن أزمات جوارها الجنوبي. فالأزمات لا تتوقف عند الحدود، والحروب لا تبقى داخل الخرائط، والاضطرابات في ممرات التجارة والطاقة يمكن أن تصل آثارها الاقتصادية والأمنية إلى قلب القارة الأوروبية.

ولهذا، فإن الاستثمار في استقرار الشرق الأوسط ليس مجرد سياسة خارجية أوروبية، ولا مجرد مساعدات تقدمها أوروبا لدول المنطقة، بل هو استثمار مباشر في أمن أوروبا ومصالحها ومستقبلها.

فالضفة الجنوبية للمتوسط ليست عالما منفصلا عن أوروبا، وإنما هي جزء من المجال الجيوسياسي الذي تتشكل فيه أمنها واقتصادها ومستقبلها.

ومن يريد أن يحمي الضفة الشمالية للمتوسط، عليه أن يهتم أيضًا بما يجري على ضفته الجنوبية.

المصدر: موقع اضاءات الإخباري