لماذا يزعجنا الغموض أكثر من الحقيقة المؤلمة؟
مقالات
لماذا يزعجنا الغموض أكثر من الحقيقة المؤلمة؟
عباس المعلم
11 آب 2026 , 20:08 م

لا يخشى العقل الألم وحده؛ إنه يخشى أكثر الألم الذي لا يعرف شكله ولا موعده ولا نهايته. فالحقيقة المؤلمة، مهما بلغت قسوتها، تمنح الذهن حدودًا يستطيع أن يبدأ منها التكيّف، أما الغموض فيترك الاحتمالات مفتوحة ويُبقي منظومة التوقع في حالة استنفار. ولهذا قد يكون انتظار الخبر أشد إنهاكًا من سماعه، وقد يصبح السؤال المعلّق أثقل من إجابة لا نحبها؛ لأن الألم المحدد يُعاش مرة، بينما المجهول يسمح للعقل بأن يصنع منه عشرات النسخ.

في علم النفس المعرفي يرتبط ذلك بـ عدم تحمّل اللايقين؛ فعندما تنقص المعلومات، يحاول الدماغ إغلاق الفراغ بالتنبؤ. وإذا كان الإنسان قلقًا أو مرهقًا، تميل هذه التنبؤات إلى الانحياز نحو السيناريوهات الأكثر تهديدًا. وهنا لا يعود الفرد يتعامل مع واقع واحد، بل مع احتمالات متكاثرة: ماذا حدث؟ ماذا سيحدث؟ ماذا لو كان الأسوأ؟ فيتحول الغموض من نقص في المعرفة إلى فائض في التخيل، وتستهلك الاحتمالات طاقة نفسية أكبر مما قد تستهلكه حقيقة واحدة قاسية.

والأعمق أن اليقين، حتى حين يكون مؤلمًا، يعيد للإنسان شيئًا من السيطرة. فمعرفة الخسارة تسمح بالحزن، ومعرفة النهاية تسمح بالوداع، ومعرفة المشكلة تسمح باتخاذ موقف؛ أما المعلّق بين «ربما» و«لعلّ» فلا يستطيع أن يحزن كاملًا، ولا يطمئن كاملًا، ولا يرحل كاملًا. إنه يبقى نفسيًا أمام باب نصف مفتوح، وهذه المنطقة الرمادية هي التي تجعل بعض الانتظار أشد قسوة من النهايات.

لهذا قد يطلب الإنسان الحقيقة لا لأنه واثق من قدرته على احتمالها، بل لأنه أنهكه احتمال كل شيء. فالنفس تستطيع، مع الزمن، أن تبني معنىً حول الألم الواضح، لكنها تُستنزف وهي تحاول بناء حياة فوق سؤال مفتوح. وربما لهذا تكون بعض الحقائق القاسية رحيمة بطريقتها الخاصة؛ إنها تؤلم الإنسان مرةً بما هي عليه، بينما الغموض يؤلمه مرارًا بما يمكن أن يكونه.

عباس المعلم - إعلامي لبناني

الأكثر قراءة خلاف السلطة ومصطفى البرغوثي
خلاف السلطة ومصطفى البرغوثي
هل تريد الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة؟
شكراً لاشتراكك في نشرة إضآءات
لقد تمت العملية بنجاح، شكراً