كتب: موسى عبّاس
بتوقيع "اتفاقية مكّة للدفاع المشترك" بين السعودية وتركيا وباكستان، إعلان ثلاثي إقليمي بداية نهاية مرحلة "الضامن الخارجي الأوحد". جاء التوقيع في لحظة تراجع يقين استراتيجي، بعد ثبوت عجز المظلة الأمريكية عن منع مسيّرات الحوثيين، وتزامناً مع تصعيد مباشر مع إيران.
لكن توقيع الأمس يطرح سؤال اليوم: هل هذه بداية "ردع ذاتي مترابط" أم مجرد بيان سياسي سيموت عند أول اختبار ميداني؟
أولاً: الثلاثية الاستراتيجية - تكامل قوّة أم تلاقي مصالح؟
قوّة الاتفاقية أنها جمعت لأول مرة ثلاث ركائز لا يملكها حلف إقليمي واحد من قبل:
— السعودية: المال والجغرافيا :
ثقل اقتصادي عالمي، التحكم في مصادر الطاقة ، وغطاء سياسي وديني.
— تركيا: الصناعة والعمليات:
ثاني أكبر جيش في الناتو، قاعدة صناعات دفاعية متقدمة في المسيّرات والدفاع الجوي والرادارات، وخبرات ميدانية.
— باكستان:الردع والبشر:
مؤسسة عسكرية محترفة، ورمزية نووية فريدة كونها الدولة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي.
لكن هذا التكامل هش إذا لم يتحوّل إلى قيادة عسكرية موحدة وهياكل استخبارات مشتركة. وإلا فهو مجرد "تقاطع مصالح" مؤقت.
ثانياً: الغائبون:خلافات بنيوية لا ثغرات عابرة،
أي اتفاقية دفاع عن الخليج بدون الإمارات والكويت وقطر ومصر هي اتفاقية مبتورة ومكشوفة.
السبب ليس "نسيان". السبب خلافات عميقة ومعلنة:
السعودية - الإمارات ،تنافس على الملفات الاقتصادية والموانئ والنفوذ الإقليمي في اليمن وليبيا والسودان.
السعودية والإمارات - قطر ، جرح حصار 2017 لم يندمل بالكامل، وتبايُن في ملفات الإخوان وتركيا وإيران.
السعودية والإمارات - الكويت ، تباين في إدارة ملف العراق وإيران وسياسة التهدئة.
غياب هؤلاء يعني أن الاتفاقية في جوهرها "تحالف سعودي" بغطاء تركي باكستاني، وليست "منظومة خليجية". وهذا يطرح سؤالاً مباشراً: من سيحمي أبوظبي والدوحة والكويت إذا اشتعلت الجبهة؟ ومن يضمن ألا تستخدم أراضيهم كورقة ضغط ضد الرياض؟
ثالثاً: اختبار الميدان:
قصف أرامكو بعد 48 ساعة من التوقيع:
يمثل هذا الهجوم أول اختبار حقي وميداني لبنود هذا التحالف الأمني الثلاثي الذي تم توقيعه قبل الحادثة بـ 48 ساعة فقط.
بالأمس قصفت مسيّرات "أنصار الله" منشآت أرامكو في المملكة. التوقيت ليس صدفة. هي رسالة مباشرة:
"هاتوا آخركم".
هنا يسقط الكلام.
الفرق الجوهري أن التواجد الباكستاني السابق كان "استشارة وتدريب" مقيداً بقرار 2015. واليوم البند الدفاعي يعطي غطاء قانونياً وسياسياً. ودخول الرادارات التركية المتقدمة وأنظمة التشويش والمسيّرات الاعتراضية كان هو الثغرة التي عجزت عنها السعودية 8 سنوات.
الآن أمامنا نتيجتان لا ثالث لهما:
— اعتراض ناجح:التحالف يثبت أنه ليس حبراً ويكسر هيبة المسيّرات الحوثية.
— اختراق جديد: البيان يتحول لذكرى، ووصف "الصور التذكارية" يصبح واقعاً.
لا يوجد وقت، لا توجد "فترة سماح". الاختبار بدأ.
رابعاً: تركيا ،بيت القصيد والمعادلات الثلاث:
شئنا أم أبينا، تركيا هي المحرّك العملياتي للاتفاقية. وهي ليست جمعية خيرية. تحركها 3 معادلات باردة مع إيران:
1. إيران القوية:
مشكلة تسدّ الطريق أمام التمدُد التركي في سوريا والعراق.
2. إيران المنهارة:
كارثة، بحسب تحليل مؤسسة بروكينجز، الانهيار يعني فوضى على الحدود، وموجات لاجئين بالملايين، وتنشيط للحركة الكردية الإيرانية لتشكل امتداداً جغرافياً يهدد الأمن القومي التركي.
3. إيران الضعيفة المستقرة:
هذه هي فرصة تركيا ،دولة مستنزفة ومتوجسة تتيح لأنقرة التمدد دون تكلفة حرب.
السؤال المباشر: هل السعودية وباكستان مستعدتان لفتح حرب ضد الأكراد إذا استغل الكيان الصهيوني وأمريكا فراغاً في غرب إيران؟
الجواب المنطقي: لا. إذن حدود التزام تركيا ستكون دفاعية فقط.
خامساً: باكستان:بين الوساطة والاستنزاف:
إسلام أباد قدمت نفسها وسيطاً بين طهران وواشنطن. فهل ستنقلب لتصبح رأس حربة؟ الواقع يقول استحالة.
أولاً: 35 إلى 40 مليون شيعي باكستاني سيكونون قنبلة داخلية مع أي عدوان على إيران.
ثانياً: الهند تتربص بأي استنزاف باكستاني.
ثالثاً: تجربة يناير 2024 عندما تبادلت إيران وباكستان القصف ثم احتوتا الأزمة في 3 أيام تثبت أن أولوية إسلام أباد هي ضبط الحدود وليس خوض حروب إقليمية.
سادساً: إيران وواشنطن والكيان الصهيوني:حدود الالتزام:
الاتفاقية لا تعني قطع العلاقة مع واشنطن. هي "شبكة أمان مكملة" بعد استنزاف مخزونها وفشلها في صد الهجمات غير المتماثلة.
لكن الصدام المباشر مع إيران مستبعد من حسابات الثلاثة. السعودية تخاف على رؤية 2030. وتركيا وباكستان لهما حدود برية طويلة مع طهران.
السيناريو الأرجح في حال استهداف القواعد الأمريكية على الأراضي السعودية هو "الاحتواء والدفاع الاعتراضي": اعتراض الصواريخ والمسيّرات دون ضرب العمق الإيراني، مع فصل سياسي بين حماية السيادة وبين القواعد الأمريكية.
أما الكيان الصهيوني فموقفه منقسم:
إعلامياً: سيوظف الاتفاقية للابتزاز وحشد دعم أمريكي إضافي بحجة "الخطر على التفوق النوعي".
عسكرياً: في هيئة الأركان التقييم مختلف. تحالف يجمع المال السعودي والتقنية التركية والردع النووي الباكستاني يضع سقفاً لسيناريوهات الاستفراد ويقيّد هامش المناورة مستقبلاً..
في المُحصّلة 3 بوابات تحسم المصير:
لكي لا تبقى الاتفاقية بياناً إعلامياً، يجب أن تعبر 3 بوابات:
1. المؤسسة:تحويل النص لقيادة عسكرية موحدة وهياكل استخبارات دائمة.
2. توحيد البوصلة:التوفيق بين أولوية تركيا المتوسطية، وأولوية باكستان الآسيوية، وأولوية السعودية في الخليج.
3. سرعة القرار:القدرة على الرد في حالات التصعيد الخاطف دون العودة لعواصم متباعدة.
_الخلاصة_
"اتفاقية مكّة" جاءت كإجابة استراتيجية على صدمة تراجع أمريكا وهجمات الحوثيين وإيران. تحول من الارتهان إلى محاولة "ردع ذاتي".
لكن أول اختبار ميداني وصل. اليمن أطلقت مسيّرة وقصفت أرامكو بعد 48 ساعة فقط من التوقيع، ولا جواب حتى الآن.
السؤال لم يعد "هل تريد أمريكا حمايتنا" بل "هل نحن قادرون أصلاً على حماية أنفسنا... وضِدَ مَنْ ؟! أم أن الحبر أسرع من الصواريخ؟"
الأيام القادمة وحدها ستقول إن كان هذا التحالف ولد ميتاً، أم أنه يحتاج فقط لوقت كي يستيقظ.