ظل سؤال مهم يحير العلماء لعقود: لماذا يصيب التهاب المفاصل الروماتويدي بعض المفاصل بينما يترك مفاصل أخرى دون إصابة؟
وكانت الأبحاث تركز لفترة طويلة على الجهاز المناعي باعتباره العامل الرئيسي وراء هذا الاختلاف. لكن دراسة جديدة تشير إلى أن الإجابة قد تكون موجودة أيضا داخل أنسجة المفاصل نفسها، وأن بعض الاختلافات الخلوية والبنيوية قد تتشكل قبل الولادة.
ونشرت نتائج الدراسة في مجلة Nature Immunology.
ما التهاب المفاصل الروماتويدي؟

التهاب المفاصل الروماتويدي هو مرض مناعي ذاتي يهاجم فيه الجهاز المناعي الغشاء الزليلي، وهو النسيج الذي يبطن المفاصل من الداخل.
ويؤدي هذا الهجوم إلى حدوث الألم والتورم والتيبس في المفاصل، ومع مرور الوقت يمكن أن يسبب تلف الغضاريف والعظام.
ومن أكثر الأمور التي أثارت اهتمام الباحثين في هذا المرض طبيعته الانتقائية، إذ لا تتعرض جميع المفاصل للإصابة بالدرجة نفسها، رغم وجود المرض المناعي في الجسم.
مقارنة بين مفاصل الأصابع
أجرى فريق من العلماء البريطانيين بقيادة البروفيسور كريستوفر باكلي مقارنة بين نوعين من مفاصل أصابع اليد.
وشملت الدراسة المفاصل السلامية القريبة (PIP)، وهي المفاصل التي تقع بين السلاميات القريبة والوسطى في الأصابع والتي غالبا ما تتأثر بالتهاب المفاصل، والمفاصل السلامية البعيدة (DIP)، الموجودة بالقرب من أطراف الأصابع والتي تبقى عادة أكثر سلامة.
وسعى الباحثون إلى معرفة ما إذا كانت هناك اختلافات بين هذه المفاصل يمكن أن تفسر سبب تعرض بعضها للمرض أكثر من غيرها.
خريطة دقيقة لخلايا المفاصل
استخدم العلماء مجموعة من التقنيات الحديثة لدراسة المفاصل أثناء مراحل نموها وتطورها.
وشملت هذه التقنيات تسلسل الخلية المفردة، وأساليب متقدمة لتحليل الصور، إضافة إلى التصوير المقطعي ثلاثي الأبعاد بالأشعة السينية عالية الدقة.
وأتاحت هذه الأساليب للباحثين إنشاء خريطة تفصيلية للمفاصل النامية في أصابع الإنسان.
كما سمحت دراسة المفاصل خلال مراحل تطورها بفحصها بصورة شاملة وبمستوى من التفاصيل يصعب الوصول إليه عند دراسة الأنسجة لدى البالغين.
اختلافات تظهر قبل الولادة
أظهرت النتائج أن المفاصل التي تصبح لاحقا أكثر عرضة للإصابة بالتهاب المفاصل تختلف عن المفاصل الأكثر حماية حتى قبل الولادة.
فقد وجد الباحثون أن مفاصل PIP تحتوي على كمية أكبر من النسيج الزليلي، كما تحتوي على مستويات أعلى من نوع محدد من الخلايا يعرف باسم الخلايا الليفية PI16+.
ولا يقتصر الاختلاف على عدد هذه الخلايا، بل تبين أيضا أنها تستجيب للإشارات الالتهابية بطريقة مختلفة عن أنواع أخرى من الخلايا الليفية.
وتشير هذه النتائج إلى أن الخصائص التي تجعل بعض المفاصل أكثر عرضة للمرض قد تكون موجودة في أنسجتها منذ مرحلة مبكرة جدا من التطور.
الأنسجة قد تحدد مكان الالتهاب
قال كريستوفر باكلي، رئيس فريق البحث، إن العلماء كانوا يعرفون منذ عقود أن التهاب المفاصل الروماتويدي يصيب مفاصل معينة بشكل انتقائي، لكن السبب ظل من الأسئلة الرئيسية التي لم تجد إجابة واضحة.
وأضاف أن نتائج الدراسة تشير إلى أن الإجابة لا تكمن في الجهاز المناعي وحده، بل تشمل أنسجة المفاصل نفسها.
ووفقا للباحثين، يمكن للخصائص الخلوية والبنيوية التي تتشكل خلال مرحلة نمو المفصل أن تحدد المناطق التي تصبح أكثر عرضة لظهور الالتهاب في وقت لاحق من الحياة.
اختلاف في بنية المفاصل
اكتشف الباحثون أيضا اختلافات مهمة في البنية الداخلية للمفاصل.
وباستخدام التصوير ثلاثي الأبعاد في مصدر Diamond Light Source الإشعاعي في بريطانيا، تمكن العلماء من إظهار أن النسيج الزليلي المحيط بمفاصل PIP أكبر حجما وأكثر اختلافا في تنظيمه مقارنة بالنسيج الموجود حول مفاصل DIP.
ويشير الجمع بين الاختلافات في أنواع الخلايا وتنظيم الأنسجة إلى تفسير محتمل لسبب ظهور الالتهاب في مناطق معينة من المفاصل دون غيرها.
دور الخلايا الليفية PI16+
قالت الدكتورة سارة ديفيدسون، المشاركة في إعداد الدراسة، إن الباحثين اكتشفوا أن المفاصل التي تتعرض غالبا للإصابة بالتهاب المفاصل الروماتويدي تحتوي على مجموعات محددة من الخلايا حتى قبل الولادة.
وكانت الخلايا الليفية PI16+ أكثر وفرة في المفاصل المعرضة للإصابة، كما أظهرت استجابة مختلفة للإشارات الالتهابية.
ويشير موقع هذه الخلايا وطريقة سلوكها إلى احتمال تأثيرها في تحديد المناطق التي يتطور فيها المرض.
آفاق جديدة لعلاج الروماتويد
تشير نتائج الدراسة إلى أن الاستعداد للإصابة بالتهاب المفاصل الروماتويدي قد لا يكون مرتبطا فقط باضطرابات الجهاز المناعي، بل قد يرتبط أيضا بخصائص خلوية وبنيوية في أنسجة المفاصل تتشكل أثناء وجود الجنين في الرحم.
وقد يساعد فهم هذه الآليات في تطوير أساليب جديدة لعلاج المرض مستقبلا.
وبدلا من التركيز فقط على تثبيط استجابة الجهاز المناعي، يمكن أن تتجه بعض الاستراتيجيات المستقبلية إلى استعادة الدور الوقائي لأنسجة المفصل نفسها، بما قد يساعد على الحد من تطور الالتهاب في المفاصل الأكثر عرضة للإصابة.