طور علماء من جامعة آلتو في فنلندا بالتعاون مع باحثين دوليين خوارزمية حاسوبية تفسر كيفية اختيار القارئ لموضع نظره أثناء قراءة النصوص.
وتعتمد هذه الخوارزمية على أساليب التعلم بالتعزيز المستخدمة في مجال الروبوتات، بهدف محاكاة الطريقة التي يوزع بها الإنسان انتباهه أثناء القراءة.
ونشرت نتائج الدراسة في مجلة Nature Human Behaviour.
كيف تتحرك العين أثناء القراءة؟
حركة عين الإنسان أثناء القراءة ( مصدر الصورة: جامعة آلتو )
اعتمدت النماذج السابقة على مجموعات كبيرة من البيانات التي تربط بين أجزاء النص ونتائج تتبع حركة العين. وكانت هذه النماذج قادرة على تقليد السلوك البشري أثناء القراءة، لكنها لم تكن تفهم المحتوى الفعلي للنص.
أما النموذج الجديد فيعتمد على آليات نفسية مسؤولة عن توزيع الانتباه، ما يسمح له بمحاكاة الطريقة التي يتشكل بها المعنى عندما ينتقل نظر القارئ بين الكلمات والجمل.
ويحاول النظام تفسير سبب انتقال العين إلى كلمة معينة أو العودة إلى جزء سبق قراءته، بدلا من الاكتفاء بتقليد نمط حركة العين الذي يظهر في البيانات.
القراءة كعملية لاتخاذ القرار
تعتمد الدراسة على مفهوم يعرف باسم العقلانية القائمة على الموارد.
وخلال القراءة، يتخذ الإنسان باستمرار قرارات حول المكان الذي ينبغي أن يوجه إليه نظره في اللحظة التالية. ويهدف هذا السلوك إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من فهم المعلومات خلال فترة زمنية محدودة.
ولا يقتصر اختيار نقطة التركيز على الكلمات الفردية فقط، بل يمكن أن يحدث على مستوى العبارات والفقرات الكاملة.
وبذلك يتعامل الدماغ مع عملية القراءة باعتبارها عملية مستمرة لتحديد المعلومات التي تستحق مزيدا من الانتباه والمعلومات التي يمكن تجاوزها.
الذاكرة تؤثر في حركة العين
تتأثر حركة العين أثناء القراءة بعوامل فردية مختلفة، من بينها قدرة الذاكرة وسرعة معالجة المعلومات البصرية.
فعلى سبيل المثال، يستطيع القارئ الذي يتمتع بقدرة جيدة على الاحتفاظ بالمعلومات في الذاكرة الانتقال بسرعة أكبر من فقرة إلى أخرى، لأنه يستطيع الاحتفاظ بقدر أكبر من المعلومات السابقة أثناء متابعة النص.
في المقابل، قد يعود الشخص الذي يمتلك قدرة أقل على الاحتفاظ بالمعلومات في الذاكرة بشكل متكرر إلى أجزاء سبق له قراءتها من أجل استعادة المعلومات اللازمة لفهم النص.
ويشير الباحثون إلى أن الدماغ يوزع الانتباه بطريقة تشبه إدارة الميزانية، إذ يحدد باستمرار المعلومات التي ينبغي التركيز عليها والمعلومات التي يمكن تجاوزها.
تخصيص القراءة حسب المستخدم
أضاف مطورو النموذج خصائص المستخدم إلى النظام على شكل معايير يمكن ضبطها، ما يسمح بتغيير طريقة عمل النموذج وفقا للقدرات الفردية للقارئ.
وتمكن البرنامج من تطوير استراتيجيات مناسبة لتوجيه الانتباه بشكل مستقل، بعد تدريبه على ملايين النصوص بهدف تحسين طريقة التعامل مع المعلومات وفهمها.
وخلال عملية القراءة، يستطيع النموذج أيضا إنشاء وصف مختصر لمحتوى المادة التي تمت قراءتها، ما يساعد على تقييم مدى فهم المعلومات التي تم عرضها.
النموذج يتنبأ بعودة العين
عندما لا تتوافر لدى النظام معلومات كافية حول كلمة رئيسية أو جزء مهم من النص، يمكنه إعادة توجيه النظر إلى جزء سابق من المادة للحصول على المعلومات اللازمة.
وقارن الباحثون القرارات التي اتخذها النموذج بالنتائج الفعلية لتجارب تتبع حركة العين، ووجدوا تطابقا في أنماط السلوك بين النموذج والقراء الحقيقيين.
ونجح الباحثون في بناء نموذج يمثل القارئ المتوسط، مع إمكانية ضبط خصائصه بدرجة دقيقة وفقا لاحتياجات المستخدم.
كما يمكن اختبار مستوى فهم النص من خلال طرح أسئلة على القارئ حول المادة التي قرأها، وهو ما يسمح بتقييم العلاقة بين حركة العين وفهم المحتوى.
دعم الأشخاص الذين يعانون من عسر القراءة
يمكن أن تساهم نتائج الدراسة في تطوير أدوات تساعد الأشخاص الذين يعانون من عسر القراءة، من خلال تصميم طريقة عرض النصوص بما يتناسب مع احتياجات كل مستخدم.
كما يمكن استخدام التقنية في تطوير وتخصيص نظارات الواقع المعزز، بحيث تستطيع الأجهزة تغيير تنسيق النص تلقائيا وفقا للموقف وقدرات الشخص الذي يستخدمها.
وقد تتيح هذه التقنية مستقبلا عرض المعلومات بطريقة أكثر ملاءمة لقدرات المستخدم، مع تقليل الجهد المطلوب لفهم النصوص.
تطبيقات محتملة أثناء القيادة
يرى الباحثون أن التقنية يمكن أن تستخدم مستقبلا في مواقف تتطلب الحصول على معلومات مكتوبة دون تشتيت الانتباه عن المهمة الأساسية.
ومن بين التطبيقات المحتملة مساعدة السائقين على تلقي إرشادات أو تنبيهات نصية بطريقة تتكيف تلقائيا مع الموقف، بما يسمح بالوصول إلى المعلومات المطلوبة دون الحاجة إلى تحويل الانتباه بشكل كبير عن قيادة السيارة.
وتفتح هذه النتائج المجال أمام تطوير أنظمة أكثر قدرة على فهم الطريقة التي يقرأ بها الأشخاص النصوص، وتكييف عرض المعلومات وفقا لقدراتهم واحتياجاتهم الفردية.