لم تعد حروب الشرق الأوسط مجرد صراعات تجري داخل حدود المنطقة. فكلما طال أمدها، وتعددت أطرافها، واتسعت ساحاتها، بدأت آثارها تتسلل إلى العالم عبر الطاقة والموانئ والتجارة والأمن، حتى بات السؤال أكثر إلحاحا: هل خرجت الحرب من حدودها؟ وهل بدأت أطراف مجهولة بدفع دول جديدة إلى قلب الصراع؟
خلال أيام قليلة، ظهرت سلسلة من الأحداث التي يصعب تجاهل تزامنها. في مصر، استهدفت طائرة مسيّرة سفن غاز في ميناء دمياط، في حادث بالغ الحساسية بالنسبة إلى دولة تقع قناة السويس في قلب منظومتها الاقتصادية والاستراتيجية. ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم.
وفي ليبيا، كان المشهد أكثر وضوحا وخطورة. فقد تعرضت منشآت الطاقة في الزاوية لهجمات متكررة بطائرات مسيّرة، طالت خزانات الوقود ومنشآت كهربائية، وأدت إلى أضرار وانقطاعات واسعة. وهنا لا يتعلق الأمر فقط بأمن مدينة ليبية، بل بأمن مصدر مهم من مصادر الطاقة في المتوسط.
ثم انتقلت الأخبار إلى أوروبا: انفجار في مصنع للذخائر قرب روما، وانفجار في منشأة للمنتجات النفطية في ميناء روتردام، وحالة استنفار في ألمانيا بعد الاشتباه بجسم متفجر قرب محطة قطار.
لا توجد حتى الآن أدلة تسمح بالقول إن هذه الحوادث جميعا مترابطة أو أن جهة واحدة تقف خلفها. وهذا التفصيل مهم حتى لا يتحول التحليل إلى استنتاج متسرع. لكن في السياسة والأمن، التزامن نفسه يستحق الأسئلة، خصوصا عندما تتقاطع الأهداف مع الطاقة والموانئ والصناعات الدفاعية والبنية التحتية الحيوية.
فهل بدأت أطراف مجهولة تدخل على خط الصراع؟ وهل هناك من يريد جرّ دول لم تكن طرفا مباشرا إلى دائرة المواجهة؟
هذه هي أخطر أدوات حروب العصر الحديث: لا تحتاج إلى إعلان حرب رسمي. يكفي هجوم محدود على منشأة طاقة، أو تعطيل ميناء، أو ضرب محطة كهرباء، أو استهداف منشأة صناعية حساسة، حتى ترتفع كلفة التأمين،وتجد دولة نفسها أمام أزمة أمنية لم تخترها.
وهنا تظهر لعنة الشرق الأوسط فالمنطقة لا تصدّر الحروب فقط، بل تصدّر تداعياتها أيضا.
وهكذا يمكن لصراع يبدأ في الشرق الأوسط أن يتحول تدريجيا إلى أزمة عالمية.
الأخطر ليس بالضرورة وجود غرفة عمليات واحدة تدير كل هذه الأحداث، بل احتمال نشوء شبكة من المصالح المتقاطعة وأطراف مجهولة وجماعات ودول تعمل في الظل، بحيث يصبح جرّ الآخرين إلى الصراع جزءا من استراتيجية الحرب نفسها.
من دمياط إلى الزاوية، ومن المتوسط إلى روتردام، تبدو الحدود بين الحرب والسلم أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
وربما يكون السؤال الحقيقي الذي يجب أن يقلق العالم ليس: من سينتصر في حرب الشرق الأوسط؟بل: من سيُجرّ إليها غدا؟
فإذا كانت لعنة الشرق الأوسط قد بدأت تصل إلى الطاقة والموانئ والبنية التحتية العالمية، فإن استمرار النار في المنطقة قد لا يبقي العالم متفرجا عليها طويلا.
فالحرب التي لا تُحاصر في بدايتها، قد تبحث عن ساحات جديدة في نهايتها.