تقدير الموقف .. من علي الطاهر إلى مجزرة الفجر في انصار …
مقالات
تقدير الموقف .. من علي الطاهر إلى مجزرة الفجر في انصار …
عباس المعلم
15 آب 2026 , 20:27 م

الثابت حتى الساعة، بعيداً عن سيل التحليلات والتكهنات، أن العدو الإسرائيلي شنّ ثلاث غارات جوية استهدفت مرتفعات علي الطاهر ومحيط بلدة أنصار في قضاء النبطية، وأدّت إحدى الغارات إلى تدمير منزل مأهول وارتقاء ستة شهداء، في حصيلة لا تزال غير نهائية.

أما ما يتجاوز هذه الوقائع، فلا يزال في نطاق التحليل والترجيح. فالمعطيات المتداولة تشير إلى احتمال ارتباط ما جرى بتطور أمني في منطقة علي الطاهر، لكن الربط بين هذا التطور والغارة على أنصار، التي تُعدّ من حيث طبيعتها سابقة لافتة منذ وقف إطلاق النار، يحتاج إلى معطيات أكثر صلابة. وقد تتضح بعض جوانب الصورة في حال أصدر جيش الاحتلال بياناً رسمياً، وهو ما لم يحصل حتى الساعة، مع ضرورة التعامل بحذر مع أي رواية إسرائيلية لاحقة، ولا سيما إذا جاءت في سياق إنتاج ذريعة لتبرير استهداف أنصار.

وفي المقابل، يُستبعد أن يصدر حزب الله بياناً تفصيلياً يكشف فيه طبيعة ما جرى في منطقة علي الطاهر، فيما قد يقتصر موقفه، إن صدر، على إدانة العدوان وسقوط الشهداء في أنصار، من دون الدخول في تفاصيل أمنية أو ميدانية من شأنها أن تمنح العدو معلومات إضافية أو تكشف طبيعة الحدث.

لا شك أن ما وقع فجر اليوم يمثل تطوراً خطيراً ومستجداً يستوجب مراقبة دقيقة، إلا أن الوقائع المتاحة حتى اللحظة لا تكفي للقول إن المنطقة دخلت مساراً مختلفاً بالكامل أو أنها باتت أمام عودة حتمية إلى الحرب الواسعة. الأقرب، وفق المعطيات الراهنة، أن إسرائيل تحاول اختبار حدود جديدة لحرية حركتها العسكرية، وتوسيع هامش العدوان وتثبيته تدريجياً ضمن معادلة ميدانية شبيهة بما كان سائداً قبل الثاني من آذار.

ويأتي ذلك في لحظة إقليمية ترى فيها إسرائيل فرصة سانحة لرفع سقف الضغط: أفول نسبي في المشهد الإقليمي، وتصاعد التوتر الأميركي–الإيراني، ومحاولة استثمار أي فراغ أو انشغال سياسي لتعديل قواعد الاشتباك على الجبهة اللبنانية. وفي الوقت نفسه، قد تكون تل أبيب قد قرأت الجهد الواضح الذي يبذله حزب الله في تثبيت الناس في أرضهم، وتعزيز صمودهم وإيواء المتضررين، باعتباره مؤشراً إلى أن أولوياته الحالية لا تتجه نحو استئناف حرب واسعة.

وهنا تكمن خطورة المرحلة: أن تتحول قراءة إسرائيل لعدم وجود رغبة في الحرب إلى اعتقاد بإمكان توسيع العدوان من دون ثمن. وعليه، فإن دلالة ما جرى لا تُقاس بالغارات وحدها، بل بما سيأتي بعدها: هل يبقى اعتداءً خطيراً ضمن مسار الضغط القائم، أم تحاول إسرائيل تحويله إلى قاعدة جديدة ترفع عبرها تدريجياً سقف عملياتها في العمق اللبناني؟ الساعات والأيام المقبلة، وطبيعة السلوك الميداني اللاحق، ستكون أكثر قدرة على الإجابة من كل الاستنتاجات المتعجلة.

عباس المعلم - كاتب سياسي