لا يبدو أن نتنياهو في وارد الاستكانة عند التسويات الجزئية أو إدارة الجبهات بصيغ رمادية. في هذه المرحلة، هو يبحث عن انتصار مكتمل المعالم، أو على الأقل عن إقفال إحدى الجبهات المتعددة بصورة يستطيع تسويقها كحسم سياسي وعسكري. ومن هذه الزاوية، فإن مفاوضاته الفعلية لم تعد مع خصومه في كل جبهة بقدر ما أصبحت مع واشنطن نفسها، وتحديداً مع إدارة ترامب، حول حدود الحرب وشروط إنهائها وترتيب نتائجها.
ما يريده نتنياهو من ترامب ليس مجرد هامش إضافي للمناورة، بل تسليمه بإقفال جبهة وفق الشروط الإسرائيلية. وهنا تتشكل عقدة الخلاف: فالمقاربة الأميركية تسعى إلى احتواء الملفات ومنع انفلاتها، بينما يتعامل نتنياهو مع غزة ولبنان وسوريا وإيران باعتبارها أجزاء مترابطة من معركة واحدة، لا ملفات منفصلة يمكن تجميدها بتفاهمات موضعية. لذلك يصعب تصور قبوله بالقيود الأميركية إذا رأى أنها تمنعه من تحويل التفوق العسكري إلى وقائع استراتيجية طويلة الأمد.
من هنا يمكن قراءة توسيع العدوان في لبنان وغزة، ومحاولات تهيئة البيئة العسكرية لمزيد من حرية الحركة والتوغل في سوريا، بوصفها أدوات ضغط تتجاوز ساحاتها المباشرة. نتنياهو يرفع كلفة عدم الاستجابة لشروطه، ويستخدم الجبهات نفسها أوراقاً في تفاوضه مع واشنطن، محاولاً فرض معادلة مفادها أن البديل عن منحه مساحة أوسع لإنجاز أهدافه هو بقاء المنطقة كلها مفتوحة على التصعيد.
لكن إيران تبقى في رأس هذا الهرم. فبالنسبة إلى نتنياهو، ليست الجبهة الإيرانية ملفاً إضافياً إلى جانب بقية الملفات، بل أمّ الجبهات والعقدة التي يريد أن يعيد عبرها تشكيل ميزان القوة الإقليمي. ولذلك سيبقى خيار المواجهة المفتوحة معها حاضراً في حساباته، وربما باعتباره الإنجاز الأكبر الذي يسعى إلى انتزاعه أو تثبيت نتائجه قبل تشرين المقبل، فيما تتحول بقية الساحات إلى أحزمة ضغط وتمهيد ومساومة مرتبطة بالمواجهة المركزية.
وعليه، فإن التناقض بين نتنياهو وترامب لا يتمحور بالضرورة حول أصل الأهداف بقدر ما يتعلق بحدود القوة، وتوقيت استخدامها، والنقطة التي ينبغي عندها تحويل الحرب إلى تسوية. ترامب يريد ضبط الإيقاع عندما تصبح كلفة التصعيد أعلى من مردوده، فيما يريد نتنياهو إبقاء الإيقاع العسكري مفتوحاً حتى ينتزع صورة نصر يصعب التراجع عنها.
لهذا تبدو الأيام المقبلة مرشحة لأن تكشف جوهر الاشتباك السياسي بين واشنطن وتل أبيب: هل يستطيع ترامب فرض سقف على حروب نتنياهو، أم يستطيع نتنياهو مرة أخرى دفع واشنطن إلى التكيف مع الوقائع التي يصنعها بالنار؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد إلى حد بعيد أي الجبهات ستُقفل أولاً، وأيها قد تتحول إلى بوابة التصعيد الأخطر في المرحلة المقبلة.
عباس المعلم - كاتب سياسي