قد تمرّ مدينة في حياة الإنسان فلا تترك سوى ذكرى عابرة، وقد تتحول رحلة قصيرة إلى لحظة تصنع مستقبلا كاملا. وهذا ما حدث مع الشاعر السوري الكبير الراحل نزار قباني؛ فقد كانت إيطاليا، من حيث لا يدري، مسرحا للحظة التي اكتشف فيها صوته الشعري، وبدأت فيها رحلة أحد أهم شعراء سوريا والعالم العربي.
كان نزار في السادسة عشرة من عمره عندما شارك عام 1939 في رحلة مدرسية بحرية إلى إيطاليا. ووفق السيرة المنشورة على موقعه الرسمي، كان يقف على سطح السفينة عندما جذبت انتباهه الأمواج والدلافين وهي تقفز حولها، وفجأة جاءت إليه الأبيات الشعرية الأولى. نزل سريعا ودوّنها خشية أن ينساها، ثم احتفظ بها سرًا عن زملائه. ويحدد الموقع الرسمي 15 أغسطس/آب 1939 تاريخا لميلاده الشعري، باعتباره اليوم الذي استيقظ فيه شاعرا.
لكن الرواية الأكثر تفصيلا جاءت من ابنته هدباء قباني، التي روت أن الرحلة تحولت إلى تجربة استثنائية بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية. فبعد وصول الطلاب إلى إيطاليا، اضطرت ظروف الحرب إلى بقائهم في روما، وأُخذوا إلى الإذاعة الإيطالية لطمأنة أهاليهم في دمشق. وعندما سُئل الطلاب عمن يستطيع كتابة رسائل موجزة إلى عائلاتهم، وقع الاختيار على نزار.
تقول هدباء إن والدها كان قد تأثر خلال الرحلة بجمال البحر والشواطئ والأمواج والأسماك، وبالشوق إلى أهله ووطنه، فكتب قصيدة. ولم يكن، بحسب روايتها، يدرك تمامًا أنه كتب شعرا، لكن الإذاعة الإيطالية أذاعت القصيدة، وهناك عرف الآخرون أن نزار يكتب الشعر.
أما نزار نفسه، فقد روى لاحقًا الحادثة بصورة أكثر اختصارا ووضوحا. ففي حديث عن بداياته الشعرية، قال إنه كان في السادسة عشرة عام 1939، مشاركا في رحلة مدرسية إلى إيطاليا، وإن قصيدته الأولى كانت عن الحنين إلى الوطن، ثم أذاعها من راديو روما.
وهنا تكمن أهمية إيطاليا في هذه القصة. فهي لم تكن مجرد المكان الذي ألهم فتىً دمشقيا بالبحر والجمال، بل كانت أيضًا المكان الذي منحه أول فرصة ليُسمع صوته. كانت الإذاعة الإيطالية، في تلك اللحظة، الوسيط الذي نقل كلمات الفتى السوري من رحلة مدرسية عابرة إلى جمهور، وربما ساعده ذلك على اكتشاف قوة الكلمة وقدرتها على الوصول والتأثير.
وبعد عقود، ستعود إيطاليا إلى شعر نزار بصورة أخرى، حين يذكر في قصيدة «وطن بالإيجار» صديقه الإيطالي «روبرتو». لكن هوية روبرتو الكاملة وعلاقته بحادثة عام 1939 لا تزالان غير موثقتين لذلك لايمكن الجزم بأن الشخص نفسه الذي التقى نزار في الإذاعة.
تبقى الحقيقة الأجمل أن نزار خرج من دمشق فتى، وعبر البحر إلى إيطاليا، وهناك اكتشف الشعر واكتشفه الآخرون شاعرا.
وسجل التاريخ بأن روما شهدت ولادته الشعرية، ومنحته في لحظة مبكرة منصة وصل منها صوته إلى الآخرين.
وربما لهذا تبدو القصة أكبر من رحلة مدرسية عابرة: في إيطاليا، وبين البحر وروما والإذاعة، بدأ شاعر سوري كبير يبحث عن وطنه بالكلمات، قبل أن يصبح الوطن نفسه واحدا من أجمل موضوعات شعره.