المولد النبوي.. وخطاب الرسالة والثبات والتحرر
مقالات
المولد النبوي.. وخطاب الرسالة والثبات والتحرر

✍️عبدالله علي هاشم الذارحي

لم يكن خطاب السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي بمناسبة المولد النبوي الشريف مجرد تهنئة بذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا خطابًا احتفاليًا ينتهي بانتهاء المناسبة، إنما جاء خطابًا جامعًا بين تعظيم الرسول، واستحضار مسؤولية الأمة، وقراءة واقعها، وتحديد موقفها من التحديات التي تواجهها، وفي مقدمتها العدوان الصهيوني على فلسطين والمخططات الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.

فحين يبارك السيد القائد للشعب اليمني وللأمة الإسلامية هذه المناسبة، ويؤكد أن الشعب اليمني يتصدر الشعوب الإسلامية في إحياء المولد النبوي، فإنه لا يتحدث عن مظاهر الاحتفال باعتبارها غاية بحد ذاتها، وإنما يربطها بالانتماء الإيماني والهوية الإيمانية، وبالارتقاء في الوعي والمسؤولية والسير في طريق الحق.

وهنا تكمن أهمية المولد النبوي في الوعي اليمني؛ فهو ليس مجرد ذكرى تاريخية لميلاد النبي الكريم، وإنما محطة سنوية لاستعادة العلاقة الواعية برسول الله ورسالته، واستحضار عظمة النعمة التي أنعم الله بها على البشرية حين بعث محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم بالهدى ودين الحق.

لقد وضع سيد القول والفعل المناسبة في إطارها الأوسع فقد دعا الأمة الإسلامية إلى إعادة تقييم واقعها وترسيخ صلتها بالرسالة الإلهية، لأن المشكلة، كما يفهم من الخطاب، ليست في نقص عدد المسلمين ولا في امتلاكهم الإمكانات، وإنما في مستوى التزامهم بمسؤولياتهم، وفي مقدار ما أصاب واقعهم من التبعية والضعف والتجزئة،

فتعظيم رسول الله، وفق هذا المنظور، لا ينفصل عن اتباعه.

بالتالي فإن المحبة الحقيقية ليست مجرد كلمات ومشاعر، وإنما موقف وسلوك والتزام بالحق، ولذلك أكد السيد القائد أن التمسك بالرسالة الإلهية لا يتهيأ إلا بالصمود في وجه الأعداء، والتحرر من هيمنتهم، والامتناع عن التبعية لهم.

وفي قلب هذا الخطاب حضرت فلسطين باعتبارها الاختبار الأوضح لمسؤولية الأمة.

فالمأساة التي يعيشها الشعب الفلسطيني في غزة والضفة والقدس وسائر فلسطين، ليست في هذا المنظور قضية فلسطينية منفصلة عن الأمة، وإنما نتيجة مباشرة لغياب الموقف الإسلامي الموحد في مواجهة العدوان والاحتلال.

ولهذا أكد السيد القائد ثبات موقف اليمن في نصرة الشعب الفلسطيني ومجاهديه، مؤكدًا أن القضية الفلسطينية قضية كل الأمة، وأن اليمن لن يألو جهدًا في مساندتها حتى يتحقق ما وصفه بالوعد الإلهي المحتوم بسقوط الكيان الصهيوني.

كما ربط الخطاب بين ما يجري في فلسطين وما تعرضت له إيران ولبنان وسوريا واليمن، معتبرًا أن هذه الملفات لا يمكن فصلها عن الصراع الأوسع في المنطقة، في ظل ما يُطرح من مشاريع أمريكية وإسرائيلية تحت عناوين مثل "تغيير الشرق الأوسط" و"إسرائيل الكبرى".

وفي المقابل، لم يغفل الخطاب القضية اليمنية،فقد أكد أن الشعب اليمني لن يتخلى عن حقوقه المشروعة، ولن يقبل استمرار الحصار والاحتلال والتدخل الخارجي، رابطًا بين معركة الاستقلال وبين هويته الإيمانية ومسيرته القرآنية.

والرسالة الأبرز هنا أن اليمن، لا يريد أن تتحول التهدئة إلى وسيلة لمصادرة حقوقه أو فرض واقع جديد عليه؛ ولذلك جاء التأكيد على استمرار الثبات، وعلى حق الشعب في اتخاذ الوسائل المشروعة للدفاع عن نفسه وانتزاع حقوقه.

وفي هذا السياق، وجّه السيد القائد دعوة واضحة إلى الشعب اليمني الى الأستعانة بالله والتوكل عليه وتكثيف الجهود، مؤكدًا أن التحديات مهما بلغت لا ينبغي أن تدفع الشعب إلى التراجع عن خياراته الأساسية، وأن التضحيات لا تلغي الحق ولا تسقط المطالب المشروعة.

ومن اللافت أن الخطاب جمع بين مفردتين تبدوان في الظاهر منفصلتين: المولد والتحرر. لكنهما مترابطان؛ فمولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعني ولادة الرسالة التي أخرجت الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن الذل إلى العزة، ومن التبعية إلى الحرية، ومن الظلم إلى إقامة الحق.

وفي ختام الخطاب، أكد السيد القائد على ثبات الشعب اليمني في توجهه الإيماني ونهضته التحررية والجهادية ومسيرته القرآنية وسعيه لتحقيق الاستقلال التام، وأنه لن يقبل بمصادرة هذا الحق مهما كان حجم التحديات ومستوى التضحيات.

وهكذا جاء خطاب المولد النبوي الشريف في اليمن هذا العام حاملًا رسالة واضحة للأمة: محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليس ذكرى نحتفل بها، لكنه رسول نقتدي به، ورسالة نلتزم بها، وولاء نجدده، وقيم نهتدي بها، ومسؤولية نحملها، وجهاد للأعداء.

فالمولد النبوي، في جوهره، ليس احتفالًا بالماضي فحسب؛ إنه استنهاض للحاضر وصناعة للمستقبل، بفضل الله عز وجل.