قراءة استراتيجية في ما يجري خلف خطوط النار… ولماذا قد تكون الأشهر المقبلة مختلفة؟
بالمنطق المجرّد، وبعيدًا عن الضجيج السياسي والانطباعات الآنية، لا يبدو السؤال عمّا إذا كان لبنان ذاهبًا إلى الحرب دقيقًا في توصيف اللحظة. فنحن، منذ ثلاثة أعوام، داخل حرب مباشرة لم تتوقف أصلًا؛ الذي يتغيّر ليس وجود الحرب، بل شكلها وكثافتها وأدوات إدارتها.
إنها حرب مكتملة العناصر: عسكرية وأمنية واقتصادية واجتماعية وسياسية. أحيانًا تتراكم هذه العناصر في لحظة واحدة فتبدو المواجهة شاملة ومكشوفة، وأحيانًا يتراجع أحدها لمصلحة الآخر، فينخفض صوت المدافع فيما ترتفع حدة الضغط الاقتصادي أو الأمني أو السياسي. لذلك، فإن السؤال المتكرر اليوم في لبنان: «هل تقع الحرب؟» يحتاج إلى إعادة صياغة أكثر دقة: هل تنتقل الحرب القائمة إلى مستوى جديد من التصعيد العسكري المباشر والواسع، على غرار حرب أيلول 2024 أو حرب آذار 2026؟
وهنا تحديدًا تبدأ القراءة الأكثر تعقيدًا.
حتى نهاية تشرين الأول المقبل، لا تظهر مؤشرات جدية إلى أن بنيامين نتنياهو يتجه نحو خفض مستوى التصعيد ضد لبنان. والعكس أقرب إلى الواقع؛ إذ لا تبدو لديه رغبة بالانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة أو بوقف العدوان اليومي على الجنوب وانتهاك السيادة اللبنانية. بل إن القراءة الأبعد لسلوكه توحي بوجود نزعة، مضمرة أحيانًا وظاهرة أحيانًا أخرى، نحو توسيع رقعة الاحتلال إلى أراضٍ لبنانية إضافية، ورفع سقف العمليات العسكرية تدريجيًا.
لكن الأخطر ليس فقط ما يجري على الحدود.
ثمة مسار يجري بناؤه بعناية، يقوم على تهيئة بيئة سياسية وميدانية تسمح لإسرائيل بتوسيع بنك أهدافها من دون الوصول إلى مستوى يصطدم مباشرة بالإرادة الأميركية. وفي هذا السياق، يصبح احتمال استهداف مرافق وكيانات وأصول تابعة للدولة اللبنانية بصورة مباشرة جزءًا من أدوات الضغط الممكنة؛ ليس بوصفه هدفًا عسكريًا قائمًا بذاته، بل وسيلة لرفع الكلفة على السلطة السياسية اللبنانية ودفعها نحو اتخاذ قرارات أكثر مباشرة وحزمًا تجاه حزب الله، ليس جنوب الليطاني فحسب، وإنما شماله أيضًا، وصولًا إلى الضاحية والبقاع.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى في المشهد: كلما ارتفع صوت الحرب فوق الأرض، ازدادت كثافة الاتصالات تحتها.
فرغم تعليق معظم المسارات المعلنة المرتبطة بالمفاوضات والتسويات والحلول، سواء في لبنان أو الإقليم، فإن معطيات خاصة تشير إلى وجود مروحة اتصالات غير معلنة ومتعددة الطبقات، يتقاطع فيها، بدرجات وأدوار مختلفة، الأميركي والسعودي والإسرائيلي والحكومة اللبنانية والقطري والتركي والإيراني وحزب الله وسوريا. بعضها مباشر، وبعضها يجري عبر قنوات وسيطة، لكن الاتجاه العام لها واحد: محاولة رسم خارطة طريق لاتفاق محتمل يتناول لبنان وسوريا في علاقتهما بالمواجهة مع إسرائيل، وتحديدًا ملفي جنوب لبنان وجنوب سوريا.
وفي قلب هذه الحركة الدبلوماسية الصامتة، تبرز معطيات أكثر حساسية.
فمصادر موثوقة لا تخفي حصول تواصل مباشر بين الإدارة الأميركية وحزب الله، وتقول إن مستوى هذا التواصل آخذ في الارتفاع تدريجيًا، ولم يعد محصورًا بملف واحد. النقاش، وفق هذه المعطيات، يلامس ملف السلاح والاحتلال الإسرائيلي واستمرار العدوان، لكنه يمتد أيضًا إلى ملفات لبنانية داخلية ذات طبيعة استراتيجية، تتصل بتركيبة النظام والحكم، وموقع الحزب في المرحلة المقبلة وفق حجمه وقوته، وكذلك بموقع المكوّن الشيعي برمته داخل معادلة الدولة والنظام السياسي.
وبموازاة ذلك، يمكن رصد ما يشبه تفاوضًا غير مباشر بين حزب الله وإسرائيل، وإن لم يحمل هذا الاسم رسميًا. وهو مسار ليس بعيدًا في آلياته عن إدارة «اتفاق الإطار» الذي تتبناه الدولة اللبنانية ويرفض الحزب شكله المباشر، من دون أن يرفض الأهداف الجوهرية المرتبطة بإنهاء الاحتلال، ووقف العدوان، وعودة الأسرى، وإطلاق إعادة الإعمار.
الفارق هنا بالغ الأهمية: الحزب، وفق هذه الرؤية، لا يضع اعتراضه على مبدأ الوصول إلى تسوية تُنهي الحرب، بل على بنيتها السياسية والقانونية وشكل العلاقة التي قد تنتج عنها. ومن هنا يتمسك بأن يبقى أي اتفاق محتمل تحت سقف القرار 1701 واتفاق الهدنة لعام 1949، وألّا يتحول، تحت أي مسمى، إلى بوابة لتطبيع مباشر مع إسرائيل.
لكن التحول الأكثر أهمية قد يكون داخل حزب الله نفسه.
بعض المصادر التي تتابع هذا الملف عن قرب لمست تغيرًا ملحوظًا في مقاربة الحزب لعدد من القضايا، وتقول إنه أصبح أكثر استعدادًا لمناقشة إعادة هيكلة وجوده وعمله السياسي بما يتلاءم مع التحولات والتوازنات الداخلية والإقليمية والدولية الجديدة. إلا أن هذا الاستعداد يبقى مشروطًا بالحصول على ضمانات فعلية قابلة للتحقق والتنفيذ، لا على وعود سياسية تحتمل التأجيل أو الانتقائية أو التطبيق الجزئي.
وعلى خط موازٍ لا يقل أهمية، تجري رسائل مباشرة بين حزب الله والسعودية، تبدو مرحلتها الأولى مخصصة لإعادة بناء الثقة بين الطرفين، على أن تتطور، إذا نجحت هذه المرحلة، إلى صيغة أقرب إلى تفاهم مشروط ومتبادل.
وهذه النقطة تقود إلى تصحيح صورة أخرى رائجة في المشهد الداخلي اللبناني. فعلى عكس ما يُتداول إعلاميًا عن قطيعة بين حزب الله وكل من بعبدا والسراي الحكومي، تشير المعطيات إلى أن قنوات التواصل لم تُغلق أصلًا، وأن الاتصال بين هذه الأطراف مستمر من دون قطيعة فعلية أو انقطاع كامل، مهما ارتفعت حدة التباينات السياسية في العلن.
أما داخل الحزب، فثمة مسار آخر يجري بعيدًا عن الأضواء.
حزب الله يقوم حاليًا، وعلى مستوى قيادي ضيق، بمراجعة داخلية تتجاوز تقييم نتائج الحرب إلى التفكير في صيغة سياسية وتنظيمية جديدة للمرحلة المقبلة. المطروح يتضمن برنامجًا سياسيًا محدثًا، وإعادة هيكلة تنظيمية على مستويات مختلفة، إلى جانب إعادة النظر في شبكة التحالفات القائمة، وفي أسلوب إدارتها، وطبيعة العلاقة مع الحلفاء القدامى، وكذلك احتمالات بناء تحالفات جديدة إذا أتاح الواقع السياسي ذلك.
كل ذلك يعيدنا إلى السؤال الأول: هل نحن أمام حرب واسعة ثالثة تشبه الجولتين السابقتين؟
وفق مسار التطورات الإقليمية الراهنة، يبدو هذا السيناريو شديد الاستبعاد، إن لم يكن قد أصبح قريبًا من الاستحالة السياسية والاستراتيجية. فخيار الحسم العسكري ضد إيران وحركات المقاومة أثبت عقم قدرته على إنتاج نهاية مستقرة للصراع، فيما أظهرت المواجهة مقدار الترابط بين الحرب وبين أمن الطاقة والنفط والسلع الأساسية واستقرار الاقتصاد العالمي.
وفوق ذلك، بدأ عامل الوقت يتحول من مساحة للمناورة إلى عنصر ضغط. فالاستحقاقات السياسية والانتخابية المقبلة في إسرائيل والولايات المتحدة تقترب، فيما تصبح كلفة إبقاء المنطقة مفتوحة على حرب بلا سقف أعلى من قدرة الأطراف على التحكم بتداعياتها.
من هنا يمكن قراءة الصورة بصورة مختلفة: ما نشهده قد لا يكون مقدمات لحرب جديدة بقدر ما قد يكون المرحلة الأخيرة والأشد خشونة من حرب قائمة قبل الانتقال إلى هندسة تسوية جديدة.
وهذا لا يعني أن الطريق إلى التسوية سيكون هادئًا. على العكس؛ فقد تكون المراحل التي تسبق الاتفاقات الكبرى هي الأكثر خطورة، لأن كل طرف يحاول تحسين موقعه وشروطه وخرائط نفوذه قبل تثبيت التوازن النهائي. لذلك، فإن ارتفاع التصعيد في الأسابيع والأشهر المقبلة لا ينبغي أن يُقرأ تلقائيًا باعتباره انهيارًا لمسار الحل؛ فقد يكون، في جانب منه، جزءًا من التفاوض بالنار على شكل اليوم التالي.
⸻
الخلاصة الاستراتيجية | حين تبدأ الحرب بخسارة وظيفتها
الخلاصة الأعمق ليست أن الحرب المقبلة مستبعدة فحسب، ولا أن التسوية أصبحت جاهزة وتنتظر التوقيع؛ فالمشهد أكثر تركيبًا من هذه الثنائية. ما يتغير اليوم هو وظيفة الحرب نفسها. طوال السنوات الثلاث الماضية كانت القوة العسكرية تُستخدم لإنتاج وقائع جديدة وتغيير التوازنات وفرض شروط لم تكن ممكنة بالسياسة. أما المرحلة المقبلة فقد تحمل تحولًا معاكسًا: أن تصبح النار أداة لتحسين شروط الخروج من الحرب، لا وسيلة لفتح حرب بلا نهاية.
وهذا فارق استراتيجي هائل.
فعندما تبدأ الأطراف التي عجزت عن إلغاء بعضها عسكريًا في البحث عن الضمانات، وترتيبات الحدود، وشكل السلاح، ومواقع القوى داخل الأنظمة السياسية، ومستقبل التحالفات، وإعادة الإعمار، فإنها تكون قد انتقلت — ولو من دون إعلان — من سؤال «كيف ننتصر؟» إلى سؤال أكثر واقعية: «كيف ننهي هذه الجولة من دون أن يظهر أحدنا مهزومًا؟»
وهنا تحديدًا تبدأ التسويات الكبرى عادةً: ليس عندما تتوقف المدافع، بل عندما يعجز استمرارها عن إنتاج نتيجة سياسية توازي كلفتها.
لذلك، قد يكون من الخطأ قراءة أي تصعيد مقبل في لبنان بوصفه دليلًا حتميًا على اقتراب الحرب الشاملة. بعض التصعيد قد يحمل وظيفة مختلفة تمامًا: رفع السقوف قبل خفضها، تثبيت أوراق تفاوضية، انتزاع ضمانات، تعديل خطوط وشروط، ومحاولة كل طرف الوصول إلى الطاولة وهو يحمل أكبر قدر ممكن من عناصر القوة. فالمفاوضات الكبرى لا تبدأ دائمًا بعد انتهاء النار؛ أحيانًا تبدأ داخلها.
ومن هنا تصبح الأشهر المقبلة شديدة الحساسية. نتنياهو يحتاج إلى أوراق قوة، وإسرائيل تريد ترتيبات أمنية مختلفة، وواشنطن تريد منع انفلات المنطقة إلى مواجهة يصعب ضبطها، والدولة اللبنانية تبحث عن استعادة الأرض والسيادة وإطلاق الإعمار، فيما يحتاج حزب الله إلى صيغة تحفظ موقعه وبيئته ودوره ضمن التحولات الجديدة. وتحتاج القوى الإقليمية، بدورها، إلى إعادة ترتيب شبكة المصالح التي بعثرتها سنوات الحرب.
المختلف هنا أن هذه المصالح المتناقضة بدأت، للمرة الأولى، تجد نقاط تقاطع عملية؛ وهذه النقاط، لا النيات الحسنة، هي التي تصنع التسويات.
وقد تكون العلامة الأهم التي ينبغي مراقبتها ليست إعلان اتفاق كبير ومفاجئ. التحولات الحقيقية قد تبدأ بأشياء أصغر بكثير: انخفاض نوعي في وتيرة الضربات، تبدّل في بنك الأهداف، انسحاب إسرائيلي محدود من نقطة معينة، معالجة ملف الأسرى، تحريك ملف الإعمار، تغير في الخطاب السياسي، اتصالات كانت محرمة ثم تصبح ممكنة، أو تفاهمات جزئية تبدو منفصلة بينما تكون في حقيقتها قطعًا صغيرة من لوحة واحدة أكبر.
إذا بدأت هذه العلامات بالظهور تباعًا، فلن نكون أمام تهدئة عابرة، بل أمام انتقال تدريجي من هندسة المواجهة إلى هندسة ما بعدها.
وهنا ربما تكمن المفاجأة التي لا يلتفت إليها كثيرون: التسوية المحتملة لن تكون، على الأرجح، اتفاقًا واحدًا يحمل عنوانًا واحدًا ويُوقَّع في يوم واحد. قد تأتي على هيئة سلسلة تفاهمات متراكمة؛ خطوة في الجنوب، وأخرى في سوريا، وثالثة في العلاقة الأميركية مع الحزب، ورابعة على الخط السعودي، وخامسة داخل بنية الدولة اللبنانية، قبل أن تتصل هذه المسارات لاحقًا ضمن معادلة إقليمية أوسع.
أي أننا قد ندخل التسوية قبل أن نعرف رسميًا أننا دخلناها.
وعندها لن يكون التغيير سياسيًا وأمنيًا فقط. الجنوب الذي عاش لسنوات تحت اقتصاد الانتظار والخوف يمكن أن ينتقل تدريجيًا إلى اقتصاد ما بعد الحرب: إعمار، عودة سكان، حركة عقارية وتجارية، استثمارات، استعادة دورة العمل، وانخفاض تدريجي في منسوب القلق الذي جمّد حياة الناس.
وهنا تصبح إعادة الإعمار أكثر من إسمنت وطرقات؛ تصبح المؤشر المادي الأول إلى أن القوى المؤثرة نفسها بدأت تتصرف على أساس أن مرحلة مختلفة قد انطلقت. وحين تتحول الأموال من تمويل الطوارئ إلى تمويل البناء، وتتحرك مشاريع البنية التحتية، ويعود رأس المال إلى حساب المخاطر بدل الهروب منها، يكون الانتقال من زمن الحرب إلى زمن ما بعدها قد بدأ يأخذ شكله الاقتصادي والاجتماعي، لا السياسي فقط.
لذلك، فإن مجمل المؤشرات، إذا جُمعت لا إذا قُرئت منفصلة، تدفع باتجاه تقدير أكثر تفاؤلًا للمرحلة الممتدة من الأشهر الأخيرة لهذا العام إلى الأشهر الأولى من العام المقبل: بداية انتقال تدريجي من إدارة الحرب إلى إدارة التسويات في لبنان والمنطقة.
وإذا استمرت هذه المسارات ولم يقع حدث استثنائي يقلب التوازنات، فإن نتائج التحول لن تبقى حبيسة الغرف المغلقة. سيبدأ الناس بملامستها على الأرض: من بدء انسحاب الاحتلال من الأراضي اللبنانية، إلى وقف تدريجي للعدوان، ثم الانتقال الفعلي إلى ملف إعادة الإعمار، ومعه خروج الجنوب ولبنان تدريجيًا من الركود الاقتصادي والاجتماعي الذي فرضته سنوات الحرب نحو مرحلة مختلفة عنوانها استعادة الحركة والنهوض والنمو.
لهذا، فإن السؤال الاستراتيجي لم يعد: هل ستقع الحرب؟ فالحرب واقعة منذ ثلاثة أعوام، بأشكال ودرجات مختلفة. وليس السؤال حتى: متى تنتهي؟ لأن الحروب المعقدة نادرًا ما تنتهي في لحظة واحدة.
السؤال الجديد والأكثر دقة هو:
هل بدأت الحرب تفقد قدرتها على تغيير النتيجة؟
إذا كانت الإجابة نعم، فهذه أخطر نقطة تحول في أي صراع؛ لأن البندقية عندما تعجز عن تعديل ميزان السياسة، تبدأ السياسة باستعادة وظيفتها من البندقية.
ومن هنا يمكن فهم التناقض الظاهري في المشهد: قد ترتفع حرارة الميدان فيما تنضج التسوية، وقد يشتد الخطاب فيما تتوسع الاتصالات، وقد تبدو الأبواب مقفلة في العلن بينما تُفتح في الظل ممرات لم تكن موجودة أصلًا.
بل قد يصبح التصعيد نفسه، في لحظة معينة، أحد مؤشرات اقتراب التحول لا نقيضه؛ لأن الأطراف عندما تستشعر اقتراب لحظة تثبيت التوازنات تحاول في العادة انتزاع آخر ما تستطيع من أوراق قبل أن تصبح كلفة تغيير الخرائط أعلى من القدرة على تغييرها.
لذلك، لا ينبغي أن يكون مفاجئًا أن يستيقظ اللبنانيون خلال الأشهر المقبلة على تطور كان يبدو قبل أشهر بعيد المنال، ثم تتسارع بعده خطوات أخرى كانت تبدو مستحيلة. فالتحولات الاستراتيجية الكبرى لا تسير دائمًا بخط مستقيم، ولا تمنح الجمهور موعدًا مسبقًا لوصولها؛ بل تتراكم بصمت، ثم تظهر نتائجها دفعة واحدة وكأنها حدثت فجأة.
والأرجح، إذا صح هذا المسار، أننا لن نشهد نهاية الحرب في يوم واحد، بل سنشهد اختفاءها التدريجي من تفاصيل حياتنا: نقطة يحتلها الإسرائيلي ثم ينسحب منها، غارة كانت يومية فتصبح استثناءً، قرية يعود أهلها، ورشة إعمار تبدأ، طريق يُفتح، استثمار يعود، وخطاب سياسي كان مستحيلًا يصبح قابلًا للنقاش.
عندها فقط سيُفهم ما كان يجري في هذه المرحلة.
فالتسويات الكبرى لا تعلن دائمًا وصولها مسبقًا؛ أحيانًا ندخلها فيما نظن أننا لا نزال داخل الحرب، ثم ننظر خلفنا بعد أشهر لنكتشف أن آخر فصول النار لم يكن مقدمة لحرب أكبر… بل كان، في الحقيقة، الفصل الأول من نهايتها.
عباس المعلم - كاتب سياسي