كتب الأستاذ حليم خاتون:
لم يسقط العراق مباشرة بعد تلقي الهزيمة الأولى والانسحاب من الكويت...
استغرق الأمر حوالي عقد من الزمن خضع فيها صدام حسين لكل الشروط الأميركية وهو يظن إنه يتلافى الغزو البري الأميركي!
الحصار هو السلاح الذي كانت تلجأ اليها كل الامبراطوريات الغازية منذ فجر التاريخ!...
الإسكندر حاصر مدينة صور...
اررتحششتا حاصر مدينة صيدا...
ريتشارد ملك انكلترا حاصر عكا...
في كل مرة،
كان الحصار يترافق مع غزو بري...
هذا ما كانت عليه الأمور في العصور القديمة والوسطى حتى القرن التاسع عشر حيث كان سلاح الحصار هو السلاح الأمضى في جعبة الإمبراطورية البريطانية...
لكن الأمور تغيرت بعض الشيء!
صارت الإمبراطوريات تلجأ إلى الحصار والتجويع والإفقار لزعزعة الجبهة الداخلية وإضعاف الخصم!
هذا ما فعلته بريطانيا ضد الألمان في بدايات الحرب العالمية الأولى، حيث قضى حوالي ٧٠٠ الف ألماني من الجوع والبرد...
هذا ما فعلته الولايات المتحدة في حصار اليابان في بدايات الحرب العالمية الثانية...
في الحرب الأولى أدى حصار ألمانيا إلى غضب عارم جمع الألمان حول قرار الحرب ضد بريطانيا والحلفاء...
في الحرب الثانية، يقول البروفيسور روبرت بيب أن الجنرالات اليابانيين رفضوا القيام بعملية بيرل هاربر في البداية قبل أن يقرروا أن هذا الحصار قادر على إسقاط اليابان واستسلامها خلال سنتين على الأكثر؛ لذلك قرروا الهجوم على بيرل هاربر رغم علمهم انهم سيواجهون غضبا أميركيا رهيبا لعل هذا الأمر يُغير شيئا من واقع الأمور!...
وضعُ اليابان آنذاك يشبه إلى حدّ بعيد وضع إيران اليوم...
كانت اليابان على خطى أن تصبح قوة عظمى وهذا ما رفضته أميركا فقامت بإعلان الحصار لمنعه!
إيران على خطى أن تصبح الركن الرابع في ميزان القوى العالمية وهذا ما تخافه إسرائيل، وما لا تريده أميركا واتباعها في المنطقة؛ لذلك هذه الحرب...
لم يكن الحصار وحده ما تسبب بهزيمة ألمانيا أو اليابان...
عادة ما يتبع الغزو البري الحصار بعد إضعاف الخصم!
في حالة الجزيرة اليابانية، كان الحصار أكثر فعالية بسبب غياب حدود ملاصقة؛ ومع استعمال السلاح النووي، لم يحتج الغزو البري إلى أكثر من مئة ألف عنصر سيطرت بهم أميركا على كل اليابان!
أما في حالة ألمانيا الممتدة على حدود عدة بلدان في الحرب العالمية الثانية، ومع رفض هتلر الاستسلام على عكس الإمبراطور الياباني هيرو هيتو، احتاج الغزو البري إلى قوات كبيرة وجرائم حرب كبيرة حيث تم تدمير المدن الألمانية على طريقة ما يحدث الآن في جنوب لبنان...
يراهن فريق ترامب وجماعة اللوبي الصهيوني في أميركا على هكذا سيناريو لتطبيقه في إيران...
يضيف هؤلاء تجربة صدام حسين في العراق، وتجربة ميلوسوفيتش في صربيا...
سقطت صربيا حين قامت بإسقاط ميلوسوفيتش وقبلت تسليمه إلى محكمة جرائم يوغوسلافيا وكأن الغرب بريء من جرائم الحرب والإبادة!
أما مع صدام، فقد توقع الأميركيون سقوط عشرة آلاف جندي أميركي من قوات الغزو التي بلغت حوالي ١٥٠ ألف رجل وامرأة، ولو حصل هذا وحارب صدام فعلا بدل محاولة الوصول إلى تسويات تحت الطاولة وتجاوز رقم القتلى الأميركيين العشرة آلاف لكانت الأمور تغيرت وهرب الاميركيون من العراق كما هربوا من أفغانستان لاحقا...
لكن كل ما تكبدته قوات الغزو الأميركية حتى سقوط بغداد لم يزد على ١٥٠ قتيلا...
يراهن الأميركيون على سيناريو مشابه في إيران!
فإيران رغم كل الضجيج على الشاشات لم تستطع إحكام إقفال مضيق هرمز بالكامل...
يدّعي الميركيون إن عشرة ملايين برميل تخرج يوميا من منطقة الخليج، وهذا ما يمنع صعود الأسعار إلى أكثر من ٩٠ دولار للبرميل...
يقول العميد الياس فرحات أن الإمارات التي رفعت إنتاجها من ٢،٥ مليون برميل يوميا إلى حوالي ٤،٥ مليون في اليوم تقوم بإرسال أكثر من ناقلة نفط يوميا بحمولة مليون برميل لكل ناقلة بعد حلول الظلام للتخفي، ورغم تعرض هذه السفن للهجوم من المسيّرات فانها تنجح في العبور بعد التعرض لأضرار بسيطة...
تراهن الإمارات التي استحوذت على حوالي ٢١ ناقلة نفط عملاقة على عدم نية إيران تصعيد الأمور باستعمال الصواريخ لإغراق هذه السفن تجنبا للكوارث البيئية...
ثم أن العراق يُخرِج ما يقارب نصف مليون برميل عبر البر من ميناء جيهان التركي، كما أن السعودية تنجح في خروج كمية ما رغم حصار أنصار الله الذي خفّت قوته بضغوط دولية وإقليمية!...
من المبكر القول اذا ما كانت أميركا سوف تنجح في الحصار خاصة أن عدد القوات الفعالة وفقا للإعلامي الإيراني أبشناز لا يزيد على عشرة آلاف بينما تحتاج الولايات المتحدة الأمريكية إلى حوالي ١٥٠ ألف عنصر...
المؤكد أن الدور الذي سوف يلعبه الحصار يتحدد بمدى قوة الرد الإيراني الذي لا يزال ضعيفا في مواجهة الإمارات مثلا!
حتى الآن يبدو أن الصُراخ الإيراني أعلى بكثير من الأفعال!
حتى الآن لا يزال الفريق الاصلاحي في طهران يلعب دورا مؤذيا في كبح مسألة استعمال القوة!
حتى الآن لا يمكن الجزم بأن الإيرانيين يستوعبون أن الحصار ليس سوى المرحلة الأخيرة قبل الغزو العسكري البري!
فكل خطط الامبريالية منذ بداية القرن العشرين يقوم على الحصار في المراحل الأولى لإضعاف الخصم ومن ثم البدء بالغزو البري بعد أن يكون الإعياء والتعب والجوع والإحباط قد تمكن من الخصم!
من المؤكد أن جنرالات الحرس الثوري على دراية بهذا الأمر؛ كما أنه من المؤكد انهم لن يسمحوا للحصار أن تكتمل عناصره؛ لكن هذا يحتاج إلى عمل حربي استباقي...
هل تكون علي الطاهر هي المعركة التي سوف تفجر الأوضاع في وجه إسرائيل وأميركا!
أم أن إيران سوف تقوم بعمل يؤدي إلى شل الإمارات التي تشكل أحد الزوايا الستة في نجمة داوود!
حتى الآن، لا يمكن الإطمئنان، خاصة بعد سيطرة الأميركيين على السلطة العراقية عبر حكومة علي الزيدي الذي يشكل مع وجود مقتدى الصدر وجها من وجوه التبعية للمشروع الصهيوني العربي...
خلال أكثر من ثلاثة عقود من سيطرة حزب البعث في العراق، ارتكب صدام حسين من الأخطاء القاتلة ما يكفي لدفن أية احلام بعث لأية أمة؛ لكن الخطأ الذي أمّن للأميركيين الإطاحة به تمثل في سعيه الدائم بأن يكون هو شرطي الخليج لدى الأميركيين بدل شاه ايران...
كان حلمه لا يختلف عن أحلام قادة العالمين العربي والإسلامي الحاليين بأن يكونوا عبيدا عند الاميركي وسادة على شعوبهم...
احتل صدام حسين الكويت قبل أن يفر منها كالفئران، وأحجم عن احتلال آبار النفط في السعودية رغم امتلاكه ما يكفي من الإمكانيات لهذا الأمر...
لو فعلها يومها وقام بتلغيم كل تلك الآبار لامتلك أوراق أكثر من ١٥ مليون برميل يوميا ولشكّل هذا الأمر نفس النتائج التي حققها مضيق هرمز لإيران...
إذا استمر التيار الاصلاحي في طهران بنفس نهج صدام في محاولة التقرب إلى الأميركيين، سوف تُهزم إيران وينتهي أمرها، تماما كما هو حال إردوغان اليوم الذي يتلقى الصفعات في سوريا ولا يجرؤ على أي شيء... بل هو يُبدي استعدادته لمزيد من خدمة المشروع الإمبريالي الأميركي!
حسنا فعلت إيران حين رفضت عرض قائد الجيش الباكستاني عاصم منير بالعودة إلى المفاوضات العبثية مع أميركا مقابل تجميد حالة الحصار!
كان هذا أمرا ضروريا جدا؛ لكنه غير كافِِ!
المطلوب من إيران الذهاب في هذه الحرب إلى حافة الهاوية إذا لزم الأمر، وتدمير الإقتصاد العالمي عبر تدمير كافة البنى الاقتصادية الخليجية المحسوبة زورا على العرب وهي فعليا تحت تصرف أميركا والصهيونية العالمية!
كما على إيران العمل على امتلاك القدرة على الضربة الثانية في حال لجأت أميركا أو إسرائيل إلى استعمال أسلحة دمار شاملة بحيث تتم إزالة الكيان الصهيوني من الوجود نهائيا في هذا الرد!
أي تلكؤ سوف يؤدي إلى نفس النهاية العراقية التي انتهى إليها صدام حسين!