✍️عبدالله علي هاشم الذارحي
حين تصبح الرياض مضطرة للذهاب عنوة الى تل أبيب لحماية مصالحها في البحر الأحمر، فهذه ليست مجرد خطوة سياسية عابرة، لكن مؤشر على عمق المأزق الذي وصل إليه العدو السعودي في مواجهة صنعاء، فالمسألة لم تعد تتعلق بعملية عسكرية هنا أو ضربة هناك، وإنما بمعادلة استراتيجية فرضتها اليمن على المنطقة: من يريد تأمين الملاحة عليه أولًا أن يحسب حساب قوة المعادلات اليمنية، التي باتت قادرة على التأثير في أهم الممرات البحرية.
قد تراهن الرياض على أن تل ابيب بما تمتلكه من قدرات عسكرية واستخباراتية، وبما تحظى به من دعم أمريكي، تستطيع تغيير قواعد الاشتباك وإجبار صنعاء على التراجع.
لكن هذا الرهان سيصطدم بحقيقة أثبتتها سنوات الحرب: القوة العسكرية المتفوقة تقنيًا لا تعني بالضرورة القدرة على فرض الإرادة السياسية، خصوصًا عندما تكون المواجهة مع طرف يمتلك قرارًا مستقلًا، ويقاتل على أرضه، ويعتبر أن البحر الأحمر وباب المندب جزء من معادلة الردع التي بناها خلال سنوات المواجهة والصراع مع تحالف العدوان.
وإذا كانت الرياض قد احتاجت في عدوانها على اليمن إلى التحالفات العسكرية الواسعة، ثم إلى الحصار والوساطات السياسية، ثم إلى الضغط الأمريكي، فإن انتقالها إلى البحث عن دعم من العدو الإسرائيلي يكشف أن المشكلة بالنسبة لها لم تعد في امتلاك السلاح، وإنما في القدرة على كسر الإرادة اليمنية.
بالتالي فإن دخول العدو الإسرائيلي المباشر أو غير المباشر على خط باب المندب لن يكون نزهة عسكرية،فالموقع الجغرافي لليمن يمنح صنعاء أوراقًا استراتيجية لا يستطيع العدو الإسرائيلي إلغاءها بمجرد الضربات الجوية،او بتقديم الدعم الإستخباراتي للعدو السعودي.
فتوسيع المواجهة يعني فتح جبهة جديدة بعيدة جغرافيًا، لكنها قادرة على التأثير في المصالح الإسرائيلية وحركة الملاحة المرتبطة بها، وهو ما يجعل أي مغامرة للعدو الإسرائيلي محفوفة بتكاليف قد تتجاوز حسابات العدو السعودي نفسه.
خاصةً وأن صنعاء تربط ملاحة الرياض بأمن اليمن، وإفهام الاعداء بأن محاولة فرض الحصار أو التصعيد أو التحشيد لن يمر بلا ثمن، ولذلك فإن محاولة انتزاع ورقة باب المندب بالقوة قد تؤدي إلى النتيجة العكسية: فبدل من أن تستعيد الرياض حرية الملاحة، تجد نفسها أمام معادلة أكثر تعقيدًا، ويصبح فيها البحر الأحمر ساحة ضغط إضافية عليها، وعلى كيان العدو الإسرائيلي.
ثم إن الاستنجاد بتل أبيب يحمل بحد ذاته تكلفة سياسية على العدو السعودي، حيث يحاول تقديم نفسه باعتباره دولة عربية وإسلامية مركزية، سيجد نفسه في موقف شديد الحساسية إذا أصبح العدو الإسرائيلي شريكًا في مواجهة صنعاء التي ترفع شعار نصرة فلسطين وقضايا الأمة، وسيكون من الصعب تسويق هذا التعاون أمام الرأي العام العربي والإسلامي باعتباره مجرد ترتيبات أمنية لحماية امن الملاحة، وهو تطبيع علني.
ولهذا قد تكون المفارقة أن الطريق الذي تبحث الرياض من خلاله فتح باب المندب سيقودها إلى مزيد من عدم الاستقرار فيه، وكلما اتسعت دائرة التدخل الخارجي،اتسعت معها دوافع صنعاء للرد،وكلما تحولت المسألة إلى مواجهة يمنية ــ إسرائيلية أو يمنية ــ سعودية ــ إسرائيلية، أصبحت الملاحة نفسها جزءًا من الصراع بدل أن تكون بمنأى عنه.
ختامًا: إن كان ابن سلمان يبحث في تل أبيب عن مفتاح لباب المندب، فقد تكون المفاجأة أن المفتاح ليس في تل أبيب، ولا بواشنطن، إنما في إنهاء العدوان ورفع الحصار، وتنفيذ مطالب الشعب،والاعتراف بأن صنعاءأصبحت طرفًا لايمكن تجاوزه في أي ترتيبات تخص اليمن والبحر الأحمر، أما محاولة كسر معادلة صنعاء بالقوة،فستجعل باب المندب هو الباب الذي يدخل منه العدو السعودي ولإسرائيلي إلى مواجهة أوسع، بحرًا وبرًا وجوًا وهيهات منا الذلة.