كتب الأستاذ هادي عيد: الترويج لِلسّلام الأميركي الإسرائيلي، و
مقالات
كتب الأستاذ هادي عيد: الترويج لِلسّلام الأميركي الإسرائيلي، و"زرع البحر صحرة".
هادي عيد
26 آب 2026 , 07:08 ص

هناك في المحيط العربي من يروّج لسلام اسرائيلي/ اميركي يقود باعتقاده الى نمو المنطقة وتطورها بعيدا عن المقاومات والحروب. المتذاكون منهم يستدعون اليابان وكوريا الجنوبية والتطور الذي حققه هذان البلدان في كافة المجالات كشاهد تاريخي على ما يقولون. لا يكتفي جهابذة هذا القياس بعامل الترغيب بل يلجأون الى الترهيب استنادا الى التذكير باختلال ميزان القوى الهائل لصالح العدو وحلفائه.هذا القياس على التجربة اليابانية والكورية هو قياس شكلي فارغ من اية قيمة منطقية لكونه يتجاهل الفرق الكبير بين الظروف التاريخية التي انتجت كلا من الحالتين، العربية واليابانية/ الكورية .

بعد الحرب العالمية الثانية وهزيمة اليابان شكل الاتحاد السوفياتي خصما قويا جدا للولايات المتحدة وللنظام الرأسمالي عموما. كانت الأحزاب الشيوعية والحركات النقابية في العالم تتمتع بحضور جماهيري وازن في الكثير من بلدان العالم بما فيها أوروبا . كانت الماركسية والشيوعية تهيمنان فكريا بشكل واضح في بلدان الجنوب وحتى في البلدان الرأسمالية المتطورة. كما أن هذه المرحلة كانت تزخر بحركات تحرر وطني في مختلف القارات .

هذه الظروف التاريخية، وتحديدا الخوف من انتصار الشيوعية كنظام عالمي، دفعت الرأسمالية الى تقديم تنازلات كبيرة تجلت في قيام دولة الرعاية في الكثير من البلدان وفي السماح ببناء اقتصادات وطنية في كل من اليابان وكوريا الجنوبية. طبعا لم يكن ذلك حبا بشعوب هذين البلدين. يضاف الى ما سبق ان برجوازيات هذه الدول كانت وطنية وليس كمبرادورية عميلة كما هي حال برجوازيات البلاد العربية اليوم وحتى الرأسمالية ذاتها كانت مختلفة عن الرأسمالية الآن .

على ان الفرق بين التجربتين يصبح أكثر عمقا إذا ما نظرنا الى ما يتضمنه المشروع الصهيو/اميركي من مطامع ومن خطر وجودي على مجتمعات وثقافة المنطقة العربية ودولها. لا وجود لاتحاد سوفياتي اليوم وروسيا والصين تبنيان سياساتهما على مصالحهما المادية فقط. هذا المشروع هو مشروع هيمنة على ثروات هذه المنطقة ، يقوم على تفكيك دولها الحالية الى دويلات متناحرة فيما بينها ومنع قيام دول فعلية، على اقتطاع أجزاء واسعة من أراضيها وبالتالي انتزاع اي أثر لسيادة هذه الدول على بلدانها.

أما فزاعة ميزان القوى التي يشهرها دعاة هذا التطبيع فهي قديمة وميزان القوى لم يكن يوما لصالح المقاومات التي وقفت في وجه المشاريع الاستعمارية. مع ذلك كان تنظيمها وارادتها السياسية وتضحياتها وعدالة قضاياها كفيلا بتحقيق اهدافها والانتصار على أعدائها.

إن ثمن الخضوع لهذا المشروع أكبر بكثير من كل التضحيات التي تقدمها شعوب هذه المنطقة من اجل حريتها وسيادتها على ارضها وثرواتها وحتى من اجل الحفاظ على وجودها. ان هذا المشروع، إن قدر له النجاح، سيكون اخطر الف مرة من سايكس بيكو ومن نكبة فلسطين، وسيشكل وصمة عار على جبين هذه الشعوب ونخبها وقواها السياسيةبكافة تلاوينها ...