عبد الحميد كناكري خوجة: ترعيب وتعييب وتغريب وتغييب وتشطيب وتعطيب الترهيب.
مقالات
عبد الحميد كناكري خوجة: ترعيب وتعييب وتغريب وتغييب وتشطيب وتعطيب الترهيب.

«حين يسقط قناع الإسلام عن وجه فكر دموي تكفيري يتخذ من الدين ستارا، تفتح معركة الوعي لتفكيك منظومة التطرف، وتجفيف روافد تمويله، وتحطيم بيوضه قبل أن تفقس، وفضح توظيفه في ضرب استقرار دول الممانعة والكفاح القانوني المطالب بالاستقلال ورفع المظلومية عن المكلومين، دفاعا عن الإسلام الوسطي الحنيف، وصونا لوحدة المسلمين.»

حين تتزيا الفوضى بلباس العقيدة، لا يعود الخطر في فوهة البندقية وحدها، بل في الفكرة التي تسبقها، والشعار الذي يستدرج العقل، والمسار الذي ينقل صاحبه من وهم الخلاص إلى متاهة التكفير والدم. ومن هنا لا تأتي مواجهة التطرف ترفا فكريا ولا رد فعل عابرا، بل مسؤولية في ميزان الوعي؛ دفاعا عن دين سماوي عظيم جعل حرمة سفك الدماء أصلا، والإصلاح مقصدا، وحفظ الإنسان قيمة عليا، في وجه جماعات تختطف بعض مفرداته ثم تصهرها في إيديولوجيا مغلقة لا تمثل سماحته ولا مقاصده. ومن هذا المنطلق أتناول القضية بمنطق التحليل الذي يضع الظاهرة تحت مجهر السياسة والتاريخ والاجتماع؛ خوفا على الأوطان من فكر يتسلل إلى العقول قبل الجبهات، وعلى أجيال قد تستدرجها وجوه مقنعة وشعارات براقة إلى مسار يبدأ بالإغراء وينتهي بالتجنيد والارتهان. فالمواجهة الأعمق ليس مع البندقية وحدها، بل مع الفكرة التي تمنحها شرعيتها الزائفة.

لا يمكن قراءة الفكر المتطرف خارج خرائط المصالح وصراع النفوذ؛ فالتاريخ الاستعماري يقدم نماذج موثقة لتوظيف الانقسامات المحلية والمذهبية في خدمة أهداف سياسية. وفي بعض البيئات تحولت جماعات مسلحة إلى بيادق فوق رقعة جيوسياسية أوسع من شعاراتها، تتقاطع حركاتها مع مصالح وتمويلات وشبكات إسناد عابرة للحدود. ولذلك يقتضي تحليل الظاهرة تتبع بنيتها الفكرية والتنظيمية ومصادر تمويلها ومسارات تسليحها، بدل اختزالها في اندفاع عقائدي منفرد. والمفارقة أن جماعات ترفع راية الدين قد تنتهي إلى تمزيق نسيجه؛ تتحدث باسم الشريعة ثم تستهل الذبح من الوريد إلى الوريد والتخريب والتآمر على جيوشها الوطنية وضرب البنى التحتية، وتزعم نصرة الأمة بينما تستهدف أمتها. وهذا ما شهدته دول كانت تنعم بقدر من الاستقرار، كالسودان وليبيا والعراق وبلد الأبجدية وغيرها من بلدان التي طالتها فظائع تنظيم داعش الإرهابي وغيرها من جماعات تبعد كل البعد عن دين التوحيد وهو بريء منها، في مشهد جعلها، في بعض القراءات السياسية، أشبه بأحجار شطرنج تتحرك فوق رقعة تتقاطع فيها حسابات القوى وأجهزة الاستخبارات لقوى الهيمنة والغطرسة.

والمرجعية القرآنية لا تمنح القتل والتآمر والعدوان مشروعية لمجرد رفع شعار ديني؛ بل تؤكد حرمة النفس وتنهي عن الاعتداء والإفساد. لذلك فإن تحويل التكفير إلى مطرقة، والقتل إلى فتوى واستهداف الدولة إلى بطولة، ليس تشددا في الدين، بل تحريفا لوظيفته الأخلاقية ومقاصده الإنسانية. وتزداد خطورة الظاهرة حين تتحول الجماعات المتطرفة إلى أدوات لاستنزاف الدول من الداخل، ولا سيما في البيئات التي تتصارع فيها مشاريع السيادة والهيمنة. فحين تعجز الضغوط المباشرة عن تغيير موازين القوة، قد تنتقل المعركة إلى الداخل: تدفع البيادق إلى مقدمة الرقعة، ويبقى اللاعب الخفي بعيدا عن ضجيجها. ومن هنا يصبح تفكيك شبكات التجنيد والتمويل والتحريض جزءا من الأمن الوطني، لا ملفا ثانويا.

ومن هذا السياق، حذر فقيد الأمة الإسلامية الشهيد السيد علي خامنئي «ق» مرارا وتكرارا من خطر الجماعات المتطرفة، مشيرا إلى ما يراه من صلات بينها وبين أجندات استعمارية تستثمر في الفتنة وتمزيق الصف الإسلامي. داعيا إلى وحدة صفوف المسلمين ونبذ الفتنة والتقارب بين أبناء الدين الواحد وعقد الحوارات المتمدنة البناءة ومواجهة هذا التطرف الأعمى المسير من دوائر استخبارات أمريكية غربية. كما جعلت الجمهورية الإسلامية الإيرانية من التقريب بين المسلمين ومواجهة التطرف موضوعا حاضرا في مؤتمرات وملتقيات تستضيف علماء وشخصيات من بلدان متعددة. وبغض النظر عن اختلاف البعض من المواقف السياسية من طهران، فإن تحصين المجتمعات من التطرف يظل أوسع من حدود بعض الخصومات السياسية؛ إذ تبدأ من المدرسة والجامعة والمنبر والإعلام، ومن بناء مناعة فكرية تحول بين تحويل الشباب إلى أدوات في مشاريع لا يدركون مراميها. وهنا تظهر أخطر أدوات الاستدراج المعاصر: أسماء مستعارة، حسابات مجهولة، شعارات براقة، ووعود بالخلاص السريع. يبدأ الأمر همسة في فضاء رقمي، ثم يتحول إلى شبكة، وقد يجد الشاب نفسه بيدقا في مباراة لم يختر رقعتها. لذلك فإن اقتلاع التطرف لا يكون بالمواجهة الأمنية والعسكرية وحدها، بل بتجفيف روافده، وكشف خطابه وإتلاف كتبه وفتاوى مشايخه التي تبيح هدر الدماء وهتك الأعراض وتحويل بلدان إلى أطلال. ولا بد من قطع الطريق على من تسول له نفسه أن يحول الإنسان إلى أداة، والوطن إلى ساحة، والدين إلى قناع.

لا تهزم الأفكار السوداء بمطاردة ظلالها فحسب، بل بتسليط ضوء العقل عليها، وتفكيك وكشف تناقضاتها، وتجفيف منابع قوتها،

فالإرهاب دين مستندا إلى روايات موضوعة أو تأويلات منحرفة، ومنها ما ينسب إلى الإسرائيليات، لا ينبغي أن يمنح شرف تمثيل الدين. ومن يدمر ويخرب باسم العقيدة يضع نفسه في قفص التناقض قبل قفص الاتهام. إن المعركة الحقيقية ليست بين الإسلام والتطرف فحسب، بل بين إسلام يصون الإنسان وفكر يختزل الدين في التكفير ويقصي التفكير؛ وبين دولة تصون نسيجها الوطني في مواجهة أياد خفية تتربص باستقرارها. لذلك تبقى المناعة الفكرية خط الدفاع الأول، والوعي حصنا لا يستباح، والإنصاف ميزانا لا يميل. فليكشف التطرف كما هو، وليعطل مساره، وليشطب أثره، وليحطم ترهيبه؛ لا إساءة للدين بل دفاعا عن حرمته من سماسرة الترويع، ولا حربا على العقيدة، بل حماية لها من الذين اختطفوا إسمه وأساءوا إلى صورته. وحين يستعيد العقل بوصلته، ويستعيد الشباب مناعته، وتستعيد الأوطان تماسكها، تسقط البيادق من الرقعة وينكشف اللاعب؛ وتبقى الحقيقة منتصبة بلا قناع، لأن الإسلام العظيم أكبر من أن تختطفه عصابة، وأسمى من أن يكون مطية للفوضى الخلاقة والهيمنة. فترعيب التطرف والإرهاب أن يرد إليه رعبه، وتعيبيه أن تفضح عيوبه ويسقط قناعه، وتغريبه أن يبعد عن الأوطان ويطرد من ساحات الفعل، وتغييبه أن يمحى حضوره من الوعي والميدان، وتشطيبه أن يزال أثره من خارطة الأوطان، وتعطيبه أن تعطل أدواته وتشل قدراته، وترهيبه أن يلقى من الردع ما يجعله يحسب للعاقبة ألف حساب. فتلك تبقى الحكاية مع السباعية النارية: ترعيب وتعييب وتغريب وتغييب وتشطيب وتعطيب الترهيب. وليس من الإنصاف في خضم هذا المشهد إغفال أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية كانت من أبرز الأطراف تحذيرا من خطر هذه الجماعات المتطرفة، ومن توظيفها في تفكيك المجتمعات وضرب استقرار الدول واستنزاف قوى المنطقة؛ وقد ظل خطابها يربط بين مواجهة الإرهاب وصون وحدة المسلمين، لا بوصف ذلك شعارا سياسيا عابرا، بل باعتباره قراءة لمآلات مشروع يتغذى من الفتنة ويخدم في نهاية المطاف، خرائط الأطماع الخارجية. وقد أثبتت السنوات أن بعض التحذيرات التي غدت آنذاك جزءا من السجال الإقليمي لم تكن بعيدة عن واقع تكشفت أوراقه تباعا؛ فحين تتهاوى الأقنعة، يظهر أن بعض البنادق لم تكن تعرف طريقها وحدها، وأن بعض الشعارات لم تكن بريئة من يد ترسم لها الاتجاه.

كاتب سوري حر خارج الوطن.

الأكثر قراءة ٢٤ ساعة هزت الشرق الأوسط والعالم ؟!
٢٤ ساعة هزت الشرق الأوسط والعالم ؟!
هل تريد الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة؟
شكراً لاشتراكك في نشرة إضآءات
لقد تمت العملية بنجاح، شكراً