«مضيق هرمز: سيادة لا تستباح، وحدود لا تجتاز؛ وحين تصون الإرادة حدودها، تضيق المسالك أمام الطامعين، وتبقى عصية على الانحناء.»
ليست الممرات البحرية مجار تجري فيها المياه فحسب، بل هي موازين للقوى وشواهد على السيادة. حين يتعلق الأمر بمضيق هرمز والخليج الفارسي، ومضيق باب المندب، فالحديث لا ينصرف عن بقعة جغرافية منعزلة، بل عن مفترق حيوي يربط بين أمن المنطقة واستقرار العالم. والحقوق في هذه المواقع لا تبنى على الإملاء أو الاستقواء، بل تصان بالسيادة المشروعة، واحترام القانون، ومراعاة مصالح الشعوب. ما دفعني لتقصي هذا المشهد ليس انحيازا أو ميلا، بل تتبعا لما يفرزه الواقع من تحولات: فمنذ عقود، تمارس السيادة على هذه الممرات بمنهج واضح، لا بتهور ولا بتراجع. وحين اشتدت الضغوط وكثرت المحاولات لفرض النفوذ، لم تتزحزح المواقف الثابتة، فأدرك من سعى للاستيلاء أن المكان لم يخلق لمن يأتيه طارئا، بل لمن يملك حقه الأصيل فيه. إن ما يعيد التوازنات هنا ليس الصدفة، بل وعي استراتيجي راسخ؛ فحين تحكم السيطرة على الممرات بقدر ومسؤولية، تتحول من نقطة يمكن استغلالها، إلى حاجز طبيعي يضيق فيه على من لا حق له بالتجاوز.
إن مضيق هرمز الفريد، حيث يمر خمس النفط المتداول عالميا عبر مياه الخليج الفارسي_جعله محط أطماع قديمة ومسرح صراع بين من يحترم الحدود ومن يتجاوزها. ولطالما سعى المشروع الصهيو أمريكي ومن والاه إلى توظيف الممر أداة ضغط وابتزاز. غير أن الواقع أثبت عكس ما أرادوه: فالجمهورية الإسلامية الإيرانية لم تكن يوما بادئة بالعدوان، بل كانت تتصدى لما يحاك ضدها من مخططات تستهدف أمنها واستقرارها. لم يأت تنظيم المرور في المضيق تعسفا؛ ولم يكن تنظيم المرور، في هذا السياق موجها إلى الملاحة المحايدة بوصفها كذلك، وإنما ارتبط بالسفن والجهات التي غذت طرفا في الأعمال العدائية أو مرتبطة بها. حيث اتخذت اجراءات بحق السفن الأمريكية على خلفية الأعمال العسكرية العدوانية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية وبحق السفن المرتبطة بالجهات التي تعد طرفا مباشرا في تلك الأعمال أو داعما لها. ومن ثم، فإن استمرار الأعمال العدائية يضع ترتيبات الملاحة أمام اعتبارات أمنية وسيادية وقانونية تفرض نفسها على الواقع. وفي الوقت ذاته، وعلى الجانب الآخر من المنطقة، يعيد اليمنيون استعادة مواقعهم ومضائقهم؛ ففي باب المندب والبحر الأحمر، يمارسون سيطرتهم على أرضهم ومياههم، ويمنعون من التدخل في شؤونهم. وهذه المواقف المتناسقة في هرمز والمندب أثارت امتعاض حكومة تل أبيب الذي وجدت الأبواب تسد تدريجيا أمام أطماعها في سائر المنطقة. فلا هي استطاعت المرور بغير وجه حق، ولا استطاعت التدخل حيث لا تملك صلاحية. وهذا هو جوهر المعادلة: حين تتضافر المواقف على احترام السيادة، تضيق السبل على من اعتاد التوسل بالتجاوز، ويبقى الممر لمن يحميه لا لمن يبتزه.
هكذا تتضح الصورة حين تقرأ بميزان الواقع. فالمضائق والبحار ليست ملكا لمن يعلو صوته بالتهديد، بل لمن يثبت على أرضه و يحترم مسؤولياته. وبهذا تتجسد الحقيقة في قولنا: «مضيق يضيق...وعدو لا يطيق» فكلما اشتد السعي إلى فرض الأمر الواقع وتجاوز مقتضيات السيادة والقانون، ازدادت التعقيدات أمامه؛ وكلما ترسخت الحقوق المشروعة، ازدادت قدرتها على الصمود في وجه الضغوط والتهديدات.
بقلم كاتب سوري حر خارج الوطن.