مضيق هرمز ليس هدف الحرب... بل أحد أسباب الصراع
في خضم الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، يجري في بعض الخطاب الإعلامي اختزال الصراع في مضيق هرمز، وكأن القضية الأساسية هي ضمان حرية الملاحة في هذا الممر الاستراتيجي.
لكن هرمز، رغم أهميته الاستراتيجية والاقتصادية الكبرى، ليس وحده جوهر الصراع.
فالسؤال الأهم هو:
لماذا إيران؟ وما الأهداف الأوسع التي تقف وراء هذه الحرب؟
1️⃣ مضيق هرمز والطاقة... ورقة في صراع أوسع
يمر عبر مضيق هرمز جزء بالغ الأهمية من تجارة النفط والغاز العالمية، ولذلك فإن السيطرة على أمنه وحرية الملاحة فيه ترتبط مباشرة بمصالح القوى الكبرى وبالصراع على مصادر الطاقة والممرات الاستراتيجية.
ومن هنا، فإن هرمز يمكن أن يكون أداة ضغط وورقة في الحرب، وليس بالضرورة الهدف الأساسي الذي اندلعت الحرب من أجله.
إن اختزال الحرب في «أمن الملاحة» يخفي وراءه سؤالاً أكبر يتعلق بمستقبل النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط ومصادر الطاقة فيه.
2️⃣ فرض الهيمنة الأمريكية على الشرق الأوسط
الحرب لا تجري في فراغ.
فالشرق الأوسط يمثل منطقة استراتيجية بسبب موقعه الجغرافي وثرواته النفطية والغازية وممراته البحرية، فضلاً عن موقعه في الصراع الدولي على النفوذ.
ومن هذا المنظور يمكن قراءة الحرب باعتبارها جزءاً من صراع أوسع حول:
من يملك القدرة على تحديد قواعد النظام الإقليمي؟ ومن يتحكم في مصادر الطاقة والممرات الاستراتيجية؟ ومن يحدد مستقبل التحالفات في المنطقة؟
ولهذا فإن إضعاف إيران لا يمكن فصله عن الصراع على إعادة تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط.
3️⃣ إضعاف إيران وإعادة تشكيل ميزان القوى
تمتلك إيران قدرات عسكرية وصاروخية وبحرية، إضافة إلى شبكة واسعة من العلاقات والتحالفات الإقليمية.
وقد أعلنت الولايات المتحدة أهدافاً تتعلق بإضعاف القدرات العسكرية والصاروخية والبحرية الإيرانية ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي.
لكن المسألة تتجاوز البرنامج النووي وحده.
فإضعاف دولة إقليمية بحجم إيران يعني عملياً إعادة ترتيب ميزان القوى في المنطقة، وهو ما ينعكس على جميع الملفات الإقليمية، من الخليج إلى العراق وسوريا ولبنان وفلسطين.
4️⃣ هل الهدف إسقاط النظام الإيراني؟
هذه من أهم القضايا التي يجب التوقف عندها.
فقد ظهرت تصريحات ومواقف أمريكية وإسرائيلية تتحدث عن تغيير النظام الإيراني، الأمر الذي يجعل السؤال مشروعاً:
هل الحرب تهدف فقط إلى تدمير القدرات العسكرية والنووية الإيرانية، أم أنها تسعى أيضاً إلى إسقاط النظام وإعادة تشكيل الدولة الإيرانية؟
وإذا كان تغيير النظام جزءاً من أهداف الحرب، فإن السؤال التالي يصبح أكثر أهمية:
من سيقرر شكل إيران بعد الحرب؟ وهل سيكون القرار إيرانياً مستقلاً، أم ستجري محاولة فرض نظام سياسي أكثر انسجاماً مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية؟
وهنا ندخل في جوهر الصراع على السيادة والاستقلال السياسي للدول.
5️⃣ الصين وروسيا... الحرب في إطار الصراع الدولي
إيران ليست دولة معزولة عن النظام الدولي.
إنها دولة كبيرة تقع في منطقة استراتيجية، ولها علاقات متطورة مع الصين وروسيا، وترتبط بممرات الطاقة والتجارة التي تتجاوز حدود الشرق الأوسط.
ولهذا فإن إضعاف إيران يؤثر أيضاً في توازن القوى الدولي وفي قدرة الصين وروسيا على بناء علاقات اقتصادية واستراتيجية مستقلة عن الهيمنة الأمريكية.
ولا ينبغي تحويل هذا التحليل إلى ادعاء بأن الصين أو روسيا تريدان إضعاف إيران لمصلحة إسرائيل؛ فهذا يحتاج إلى أدلة مباشرة.
لكن من المشروع طرح السؤال:
هل الحرب على إيران جزء من الصراع الدولي الأوسع حول مستقبل النظام العالمي وتوزيع النفوذ والطاقة والممرات التجارية؟
6️⃣ إسرائيل والتفوق العسكري في الشرق الأوسط
لا يمكن فصل الحرب عن موقع إسرائيل في النظام الإقليمي.
فإضعاف القوى الإقليمية التي تمتلك قدرات عسكرية يمكن أن تشكل تحدياً لإسرائيل يساهم في الحفاظ على التفوق العسكري الإسرائيلي.
ومن هنا تتصل الحرب على إيران بمستقبل المنطقة بعد حرب غزة، وبإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية، وبمشاريع التطبيع واتفاقات أبراهام.
لكن يجب أن نفرق بين الوقائع الموثقة وبين التحليل السياسي؛ فليس كل تطور عسكري يمكن إثبات أنه اتخذ حصراً من أجل فرض التطبيع.
7️⃣ الدول العربية والأردن ليسوا هدفاً للحرب
من أخطر ما يمكن أن يحدث هو تحويل الحرب إلى صراع عربي–إيراني.
الدول العربية، والأردن في مقدمتها، ليست هدفاً للحرب كما يصورها البعض، والشعوب العربية ليست طرفاً في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
ومن الضروري التفريق بين الدول والشعوب العربية من جهة، وبين القواعد والمنشآت والقوات العسكرية الأمريكية الموجودة في بعض الدول العربية من جهة أخرى.
فالوجود العسكري الأمريكي في المنطقة يجعل بعض هذه المنشآت جزءاً من البنية العسكرية التي تستخدمها الولايات المتحدة في عملياتها، لكن ذلك لا يعني أن الدولة العربية أو شعبها أصبح عدواً لإيران.
كما يجب التعامل بدقة مع الأضرار التي قد تقع في مناطق مدنية نتيجة سقوط صواريخ أو مسيّرات أو حطام عمليات الاعتراض الجوي؛ فكل حادثة تحتاج إلى تحديد ظروفها، ولا يجوز تلقائياً اعتبار كل سقوط في منطقة مدنية استهدافاً مباشراً للمدنيين.
نرفض استهداف المدنيين والمنشآت المدنية أياً كان الطرف الذي يقوم به، وفي الوقت نفسه نرفض تحويل الشعوب العربية إلى طرف في حرب ليست حربها.
8️⃣ لماذا تريد الولايات المتحدة وإسرائيل تصوير المنطقة بهذه الصورة؟
إن تحويل الحرب إلى مواجهة بين إيران والعرب يغيّر طبيعة الصراع.
فبدلاً من أن يكون النقاش حول العدوان والحرب والوجود العسكري الأجنبي ومستقبل المنطقة، يصبح الصراع في الوعي الشعبي:
عرب في مواجهة إيرانيين.
وهذا النوع من الانقسام يخدم، من الناحية السياسية، إعادة ترتيب المنطقة على أساس الخوف من إيران، بدلاً من مناقشة المشروع الأمريكي والإسرائيلي للمنطقة.
والأخطر أن تتحول الدول العربية إلى ساحات للحرب، بينما تدفع شعوبها ثمن الصراعات الدولية والإقليمية.
9️⃣ الملف النووي الإيراني... لماذا الحرب؟
تُطرح قضية البرنامج النووي الإيراني باعتبارها أحد الأسباب الرئيسية للحرب.
لكن هنا يظهر سؤال جوهري:
إذا كانت المشكلة هي منع انتشار السلاح النووي في الشرق الأوسط، فلماذا لا يجري التعامل مع القدرات النووية الإسرائيلية وفق معيار واحد؟
إن معالجة خطر الانتشار النووي لا ينبغي أن تقوم على ازدواجية المعايير.
والحل الأكثر عدالة وأماناً للمنطقة هو العمل باتجاه شرق أوسط خالٍ من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل، بدلاً من السماح بامتلاك طرف لقدرات نووية بينما يُمنع طرف آخر منها بالقوة العسكرية.
🔟 هل كان الملف النووي قابلاً للحل دون حرب؟
نعم، وهذه نقطة لا ينبغي تجاهلها.
ففي عام 2015 جرى التوصل إلى خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) بين إيران والقوى الدولية، وأصدر مجلس الأمن القرار 2231 المتعلق بها، كما اضطلعت الوكالة الدولية للطاقة الذرية بدور أساسي في عمليات التحقق والرصد.
أي أن الملف النووي الإيراني لم يكن بالضرورة طريقاً مسدوداً لا يمكن التعامل معه إلا بالحرب.
كان هناك مسار:
تفاوض ــ رقابة دولية ــ تحقق ــ اتفاق ــ مجلس أمن.
ولهذا فإن السؤال المشروع هو:
إذا كان ممكناً في عام 2015 التعامل مع الملف النووي عبر الوكالة الدولية للطاقة الذرية والمفاوضات ومجلس الأمن، فلماذا لم يكن المسار الدبلوماسي هو الطريق الأساسي لمعالجة الخلافات قبل الوصول إلى الحرب؟
1️⃣1️⃣ المشكلة ليست مع الشعب الإيراني
كما أن رفض الحرب الأمريكية الإسرائيلية لا يعني أن كل سياسات الجمهورية الإسلامية الإيرانية يجب أن تكون موضع تأييد.
يمكن انتقاد السياسات الإيرانية، كما يمكن انتقاد السياسات الأمريكية والإسرائيلية والعربية، دون تحويل الشعوب إلى أعداء.
الشعب الإيراني ليس عدواً للشعوب العربية، والشعوب العربية ليست عدواً للشعب الإيراني.
الخلافات السياسية بين الحكومات لا ينبغي أن تتحول إلى كراهية بين الشعوب.
1️⃣2️⃣ ماذا يريد شعوب المنطقة؟
السؤال الحقيقي ليس فقط:
من سينتصر في الحرب؟
بل:
أي شرق أوسط سيخرج من هذه الحرب؟
هل نريد شرقاً أوسطياً تتحكم به القواعد العسكرية الأجنبية، وتُدار فيه الثروات والممرات الاستراتيجية وفق مصالح القوى الكبرى؟
أم نريد منطقة تحترم سيادة دولها، وتضع ثرواتها في خدمة شعوبها، وترفض الاحتلال والهيمنة والتدخل الخارجي، وتعمل على حل النزاعات بالوسائل السياسية والقانونية؟
إن الشعوب العربية، بما فيها الشعب الأردني، ليست بحاجة إلى حرب جديدة ولا إلى تحويل أراضيها إلى ساحات للصراع بين القوى الكبرى.
🍂 الخلاصة 🍁
مضيق هرمز مهم، لكنه ليس كل القصة.
فالحرب على إيران ترتبط بمجموعة من الملفات المتشابكة:
الهيمنة الأمريكية على الشرق الأوسط، ومصادر الطاقة والممرات الاستراتيجية، وإعادة تشكيل ميزان القوى، وإضعاف إيران، ومستقبل النظام الإيراني، والتفوق العسكري الإسرائيلي، والتحالفات والتطبيع، والصراع الدولي على النفوذ، والملف النووي.
ولهذا فإن اختزال الحرب في «مشكلة هرمز» أو «الخطر الإيراني على العرب» لا يقدم صورة كاملة عن الصراع.
والأهم ألا نسمح بتحويله إلى صراع عربي–إيراني.
فمصلحة شعوب المنطقة ليست في المزيد من الحروب والانقسامات، وإنما في الاستقلال والسيادة، ورفض الاحتلال والهيمنة، وحماية ثروات المنطقة، وإنهاء ازدواجية المعايير، وبناء شرق أوسط خالٍ من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل.