الصعود إلى الهاوية أو تغيير وجه المملكة السياسي
مقالات
الصعود إلى الهاوية أو تغيير وجه المملكة السياسي
علي وطفي
18 تشرين الأول 2026 , 14:11 م

أدت أحداث أوائل خريف عام 2026 في اليمن إلى تصعيد الصراع الطويل الأمد في الشرق الأوسط، وتحويله إلى أزمة إقليمية واسعة النطاق ومصير محمد بن سلمان الشخصي والسياسي، من ولاية العهد إلى العرش تحدده خطوة من قرار إقليمي في صراعه مع اليمن ،

لان السيطرة على ميناء المخا الاستراتيجي من قبل أنصار حركة أنصار الله وتقدم قواتهم البرية نحو جزر مضيق باب المندب، فعليا قلب موازين القوى في اليمن نفسه، و الامساك بالبنية الأمنية لخطوط الملاحة البحرية الرئيسية في الشرق الأوسط ، واضح أن استعراض القوة العسكرية من قبل قوات صنعاء يعكس العقيدة الإيرانية المتمثلة في "الدفاع الأمامي"، ففي عام 2026، تحول الفاعل اليمني بقيادة أنصار الله أخيرا من مقاومة مساندة إلى عنصر أساسي في الردع غير المتكافئ على المستوى الإقليمي ، و جاءت تهنئة “محمد مخبر” مستشار المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي، على "انتصارهم الساحق"، بينما صرح المتحدث باسم أنصار الله محمد عبد السلام، بأن "عمليات الجماعة دفاعية بطبيعتها وتتوقف حالما تتوقف الهجمات على اليمن". هذا البعد الإقليمي مع الوضع حول مضيق باب المندب مع حالة عدم الاستقرار في مضيق هرمز مما يؤثر بشكل كبير على سوق الطاقة العالمية بعد أن توقفت طرق تصدير المحروقات التقليدية من الخليج منذ بداية الحرب على إيران ، وبالتالي ازدادت أهمية موانئ البحر الأحمر و خط أنابيب النفط بين الشرق والغرب بشكل ملحوظ هو ما أكدته مجلة الإيكونوميست البريطانية :« المخاطر المتزايدة التي تواجه السعودية في ظل الهجمات الصاروخية التي تشنها القوات اليمنية وتوقف تقدم القوات المتحالفة مع الرياض في اليمن و تقدر المجلة أن الصراع الدائر لم يخلق مشاكل عسكرية فحسب ، بل يخلق أيضًا مشاكل اقتصادية متفاقمة للمملكة». المؤشرات على ذلك كان قرار تأجيل عدد كبير من شركات الطيران الدولية رحلاتها إلى العاصمة السعودية و بشكل جماعي من اهمها شركة دلتا إيرلاينز التي أجلت رحلاتها المباشرة بين أتلانتا والرياض حتى مارس 2027 ، إذ كان من المقرر افتتاح هذا الخط في 23 أكتوبر 2026، إلا أن المخاوف الأمنية أجبرت الشركة على مراجعة خططها ، كما علقت الخطوط الجوية الفلبينية رحلاتها من وإلى الرياض حتى 29 تشرين ومجموعة الخطوط الجوية الفرنسية الهولندية (إير فرانس-كيه إل إم) حتى نهاية أكتوبر، وألغت شركات طيران مجموعة لوفتهانزا الألمانية رحلاتها حتى 16 أكتوبر و شركات الطيران الهندية رحلاتها مؤقتًا إلى العاصمة السعودية، بينما مددت البحرين قيود السفر الجوي إلى الرياض حتى 17 أكتوبر نتيجة لهجمات صاروخية و هجمات طائرات مسيرة استهدفت منشآت سعودية من بينها مطار الملك خالد الدولي وقد أعلن ذلك المتحدث باسم القوات المسلحة مؤخرا في اليمن مسؤوليتهم عن هذه الهجمات و يشكل هذا التوقف الى اجل غير معلوم لحركة الطيران مخاطر إضافية على حركة المسافرين والنشاط التجاري وشبكة المواصلات في المملكة.

بدأ تنفيذ مبدأ “الحصار بالحصار" وكانت قد حذرت صنعاء الرياض باستمرار الضغط العسكري حتى انسحاب القوات السعودية من اليمن فلا منظومات الدفاع الصاروخي الأمريكية (ثاد وباتريوت) مع استنزاف مخزون الصواريخ الاعتراضية بشكل عامل خطر للغاية يجعل أجواء السعودية خاضعة لمزاج صنعاء ، إضافة إلى الوضع على الأرض بعد توقف تقدم القوات المدعومة من السعودية على بعد حوالي 40 كيلومترا جنوب ميناء المخا ، اليوم تحاصر قوات صنعاء مدينة تعز إحدى أكبر مدن البلاد وأكثرها أهمية استراتيجية و واضح انهم غير مستعجلين في الدخول إليها إنما قاموا بقطع اتصالنا مع عدن جغرافيا وهي تحت الحصار تفاديا لنشوب قتال و إراقة الكثير من الدماء وتجنب الخسائر البشرية لطالما كانت تعز هدفا لأنصار الله؛ و لم تخضع المدينة لسيطرتهم منذ بدء الحرب في عام 2014 ، كون اقتحام المدينة لن يكون سهلا، لأنها كانت أحد مراكز احتجاجات الربيع العربي في عام 2011، وطبيعة سكانها.

هذه التطورات الدراماتيكية تجعل الاستراتيجية الاقتصادية لولي العهد الأمير محمد بن سلمان ، تحت رحمة صنعاء التي ليس لديها في الأصل ماتخسره و قبل ساعات من إحدى آخر الهجمات أكد منظمو مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار الذي تعقده الرياض كملتقى ونشاط اقتصادي في سبيل جذب كبار المستثمرين الدوليين إلغاء المؤتمر الذي مقرر عقده في 26 تشرين الأول. الواضح ان ليس لدى النظام السعودي سوى المفاوضات مع صنعاء خيارا بديلا - بالقياس مع موازين القوى بينهما اليوم- عن الخيار العسكري، لكن حتى هذا الخيار بمثابة استسلام للرياض وكسر لكبريائها ولأن الجانب اليمني سوف يطالب بتنازلات سياسية واقتصادية كبيرة مقابل وقف الهجمات أو خيار استمرار الصراع بمخاطر غير متكافئة للرياض في المطارات والبنية التحتية للطاقة والاستثمارات الأجنبية وخطط تحويل البلاد إلى مركز إقليمي رئيسي للأعمال والسياحة هذه الأمنيات كلها تصبح في مهب صواريخ ومسيرات صنعاء أم استمرار الحرب قد يصبح مكلفا للغاية بالنسبة للرياض، إضافة عن ذلك هناك عامل مهم للغاية هو التناقضات الكامنة بين الرياض وأبوظبي بعد أن أدت الخلافات حول اليمن والسودان ، فضلا عن التنافس الاقتصادي تم تقويض هدنة إعلامية بينهما إلى أن حدث هجوم المطار في الرياض عقبت بعض الحسابات الإماراتية على الحادث بتعليقات مسيئة ، مما أثار غضب الجانب السعودي ومع غياب السيطرة الفعالة على الفضاء المعلوماتي و نشاط ما يسمى بـ"الذباب الإلكتروني"، وهي شبكات منظمة من الحسابات التي المرتبطة بسعود القحطاني فقد ساهم في التحول من النقد السياسي إلى الشتائم البذيئة الشخصية والعائلية ، ولا ننسى إخراج الدور الإماراتي من اليمن بعد هجمات جوية سعودية على مواقع اماراتية و أصول عسكرية في جنوب اليمن ، فهل تلعب الإمارات دور خفيا في ما يدور الآن بدعم إسرائيل وأمريكا مع ظهور مطالب بعودة اليمن إلى يمنين على لسان رئيس المجلس الانتقالي في الجنوبي المدعوم من الإمارات وهل عودة الديمقراطيين تطيح بأحلام ابن سلمان في السيطرة على الحكم و يظهر مجددا جناح الأسرة السعودية المتمثل بمحمد بن نايف ..؟ لاشك انه سيناريو يفرح كل دول أو معظم أنظمة الخليج التي ضاقت ذرعا بأبوة النظام السعودي عليها وخاصة إمارة قطر والإمارات ، ومن ثم ان الوقائع العسكرية على الأرض والمحصلة الصفرية لاتفاق مكة و رغبة النظام التركي في تصدر واجهة العالم الإسلامي مكان السعودية وتلازمه مع هدف إسرائيل استعادة ما تسميه حق اليهود في الحجاز يتسابقان كما هو الحال في الشام ، الوحيدة إيران قادرة على لعب دور في التهدئة ولكن بالمجان ليس من مصلحتها في الظروف الراهنة والرياض ليس بمقدورها تقديم أي شيء بالمقابل ،، أما ترامب أخذ كل شيء ولم يقدم كالعادة وعينه على الجهة المقابلة من الخليج وهو يحترم الأقوياء وقد يكون كيان المملكة مهددا بالتفاهم الامريكي الإيراني إن حصل مع إيران، من جهة أخرى خلاف الرياض وأبوظبي شكل فرصة استراتيجية لإعادة نهوض القوى الإقليمية وعلى رأسها إيران بما نعرفه ب "محور المقاومة".

هل نسيت الشعوب من حاصر العراق ودمره واسقط ليبيا وحطم سوريا مع غزة وجنوب لبنان ، ومن يزرع الرياح يحصد العواصف.

الأكثر قراءة وَإِذا إيران مَرَّةً أخرى
وَإِذا إيران مَرَّةً أخرى
هل تريد الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة؟
شكراً لاشتراكك في نشرة إضآءات
لقد تمت العملية بنجاح، شكراً