رجل القدر وعقدة العبور. شهادات ميدانية نادرة تروي تفاصيل الوجود الملحمي للفريق سعد الدين الشاذلي على خط النار
مقالات
رجل القدر وعقدة العبور. شهادات ميدانية نادرة تروي تفاصيل الوجود الملحمي للفريق سعد الدين الشاذلي على خط النار
3 تشرين الأول 2026 , 08:24 ص

بقلم: محمود سليمان الشيمي

(كاتب وباحث في التاريخ العسكري المصري)

عندما تُصاب الأمم بالمحن ويسودها الظلام.، تلعب الأقدار دورها في استدعاء رجالٍ ادّخرتهم للمهام العظيمة، ليخطوا أسماءهم بحروف من نور في سجلات الشرف؛ وفي طليعة هؤلاء، يبرز اسم الفريق سعد الدين الشاذلي، الرجل الذي حمل فكرًا عسكريًا متجددًا، كسر به جمود النظريات التقليدية، وفتح به السبيل أمام العسكرية المصرية لاسترداد أرضها الحبيبة وكرامتها السليبة.

لم يكن الشاذلي يومًا قائدًا مكتبيًا يكتفي بإصدار الأوامر الصارمة من غرف العمليات المغلقة، بل كان مزيجًا عبقريًا بين غزارة العلم ودقة التجربة الميدانية. احتك بمدارس عسكرية عالمية متباينة، فصاغ رؤية استراتيجية خاصة قامت على الفهم الدقيق لقدرات قواته وإمكانات عدوه على حد سواء. ومن هذا الفكر الفذ، وُلدت «خطة المآذن العالية»، خطة العبور الهجومية المحكمة لاقتحام خط بارليف، وهي الخطة التي لم تبقَ حبيسة الخرائط، بل نزلت إلى وجدان المقاتل؛ فقبل الحرب بأشهر، وتحديدًا في مايو 1973م، أصدرت هيئة المطبوعات والنشر كتاب «عقيدتنا الدينية طريقنا إلى النصر» لترسيخ العقيدة القتالية للمقاتل المصري قبل خوض غمار الملحمة، بخط يد الفريق الشاذلي، وكذلك «دليل الجندي» المعروف بـ«التوجيه 41». وكلا الكتابين أعدّهما الشاذلي وصاغهما بنفسه ، ووُزّعا على الجنود والضباط، حيث وضع الشاذلي كل خبرته في «التوجيه 41» الذي كان يحدد موقعَ الجنودِ ومهمّتَهم، لذلك سُمّي بدليل الجندي. لكن كل ما ترويه الكتب عن الشاذلي يظل قطرة في محيط سيرته الميدانية؛ وفي السطور التالية، نكشف عن شهادات حية من أبطال عاشوا اللحظة على خط النار، ورأوا رئيس الأركان يشاركهم مواقعهم.

المعبر 149: عندما يركض رئيس الأركان فوق تباب الموت

في اتصال هاتفي وثائقي مع أحد أبطال المعركة، يروي لي الملازم أول احتياط عزت بدر، قائد السرية الثانية بالكتيبة 525 مدفعية مضادة للطائرات (دفاع جوي)، تفاصيل موقف خالد تجلت فيه إنسانية القائد وعسكريته، حيث كانت السرية تحتل آنذاك الجانب الأيسر للمعبر 149:

في الثامن من أكتوبر 1973م، وأثناء ذروة القتال الضاري، كان طاقم المدفعية التابع للسرية يتمركز فوق تبة صخرية عالية لإدارة النيران وتأمين «المعبر 149»، لضمان سلامة عبور الدبابات والمدرعات المصرية نحو الشرق. وفجأة، لملمت الدهشة عقول الجنود؛ فقد أبصروا قائدًا يصعد راكضًا نحو التبة الصخرية بكل خفة وحيوية كأنه شاب في العشرين من عمره، ولم يكن هذا القائد سوى الفريق سعد الدين الشاذلي بنفسه!

بادر الشاذلي رجاله بتوجيه عسكري واقتصادي واعٍ ينم عن مسؤولية رجل من طراز فريد قبل أن يكون قائدًا عسكريًا، قائلًا:

«حافظوا على فارغ الطلقات عشان يتم استبدالها، لأنها هتوفر على البلد، وتوفر عملة صعبة، وهتنفع مصر».

لم يكتفِ برفع الروح المعنوية وتفقد الذخيرة، بل فتش بنفسه على تفاصيل معيشة الأفراد، وسأل الملازم أول عزت بدر عن مياه الشرب، فأخبره عزت بدر بأن سيارة المياه تأتيهم في المساء، فاطمأن رئيس الأركان على أدق تفاصيل معيشة رجاله.

ويقول البطل عزت بدر إن الفريق الشاذلي كان صاحب نظرية تغطية الجبهة بالمراقبة بالنظر بالنسبة للدفاع الجوي، حيث كان يمتلك قدرة فريدة على قراءة مسرح العمليات واستطلاع الموقف بالعين المجردة، قبل أن ينصرف مكملًا جولته في عمق شرق القناة. وللتاريخ، فإن هذا "المعبر 149" هو ذاته الموقع الأخطر الذي نال عليه العميد أحمد حمدي، نائب مدير سلاح المهندسين، شرف الشهادة لاحقًا. وقد سطرت الكتيبة 525، بقيادة الرائد "كمال عبد الرحيم" وبطولة النقباء مصطفى عبد المطلب، وعبد الرحمن لطفي جاب الله، ملاحم استبسال حمت المعبر وحطمت سرية مدرعات كاملة للعدو وسقت الأرض بدماء شهدائها الأبرار.

انضباط التفاصيل.. والرقم العسكري بالخيط الكاكي

وتتأكد دقة رئيس الأركان واهتمامه بالتفاصيل اللوجستية والتنظيمية الصارمة من خلال شهادة مقاتل آخر من أبطال أكتوبر، وهو العريف مجند سامي الحمامصي، الذي خدم بكتيبة برمائية بسلاح المهندسين وحارب العدو من المعبر 48 بالقنطرة غرب.

يروي البطل سامي الحمامصي ملمحًا هامًا يبرز الانضباط العسكري الصارم الذي فرضه رئيس الأركان؛ فقبل الحرب بعام كامل، صدر أمر مباشر من الفريق سعد الدين الشاذلي يقضي بوجوب كتابة الرقم العسكري لكل جندي على كل قطعة في عهدته بلا استثناء، بدءًا من الأفرول والشراب والمنديل وحتى الحذاء.

كان القائد يدرك أن التنظيم الصارم هو مفتاح النصر، فمكث الجنود شهرًا كاملًا يقومون بالتطريز اليدوي لأرقامهم العسكرية الطويلة باستخدام الخيط الكاكي والإبرة. ولم تقتصر التعليمات على ذلك، بل شملت تعديل أزياء الجنود لزيادة الصمود والتخفي، بجانب التوجيهات الخاصة بأحذية المظلات والقفز المميزة بمساميرها الحديدية و"الجيتر" الذي يشبه القايش؛ مما يؤكد أن الشاذلي وضع عبقريته في تفاصيل تجهيز المقاتل الشخصية مثلما وضعها في الخرائط الاستراتيجية.

المصطبة رقم 9: المسافة صفر وأمر "السادات" الصارم

انتقالًا إلى محور آخر، وتحديدًا في الثلث الأخير من الحرب أثناء مواجهة تغلغل العدو غرب القناة، يسجل ضابط المظلات اللواء متقاعد عبد القادر محمود شاهين (الشهير بمحسن شاهين)، مؤكدًا ما وثقه البطل عبد المنعم عبد الهادي، ملحمة أخرى تبرز الوجود الشجاع لرئيس الأركان في أصعب المواقف الحاشدة بالحرج التكتيكي.

تحدث الضابط عبد القادر شاهين عن صدور التعليمات من الفريق الشاذلي —أثناء وجوده في قيادة الجيش الثاني بالإسماعيلية— للكتيبة 89 مظلات بالهجوم الحاسم وتطهير "المصاطب" غرب القناة. تحركت الكتيبة من المصطبة رقم 1 عند طوسون، وفتحت التشكيل ونجحت في الاستيلاء على جميع المصاطب وتطهيرها تباعًا حتى وصلت لعقدة المعركة: «المصطبة رقم 9»، وهي النقطة الحاكمة الاستراتيجية التي حاول العدو إنشاء معبره عليها للتسلل إلى الغرب.

وفي تلك اللحظات المصيرية، تداخلت القيادة السياسية مع الاستراتيجية العسكرية؛ حيث ورد اتصال مباشر من رئيس الجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة، محمد أنور السادات، إلى الفريق الشاذلي يحمل رسالة صارمة ومحفزة للكتيبة 89 مظلات، جاء فيها:

«تحياتي... أبلغهم سلامي. أنت تعرف استبسالهم، فهم أشجع الرجال، وأنني لن أترك غرفة العمليات قبل أن أسمع أنباء عن تطهير النقطة رقم 9 حتى لو كلفتهم الكتيبة بالكامل».

فكانت العزيمة قدرهم، والتطهير حليفهم بفضل بسالة المقاتلين ومتابعة رئيس الأركان الجسورة، وكان هذا اليوم في 18 أكتوبر، وسمّاه الإسرائيليون بـ "اليوم الأحمر" نظرًا لفداحة خسائرهم فوق تلك المصاطب التي انتزعتها وطهّرتها الكتيبة 89 مظلات.

دقة التوجيه عبر أجهزة الإشارة

ومن الشهادات التوثيقية المضيئة، تأتي شهادة الأستاذ الدكتور فوزي الشربيني (الأستاذ بكلية التربية بجامعة دمياط)، والذي خدم كضابط احتياط بالكتيبة 5017 دفاع جوي. يعبر الدكتور الشربيني عن اعتزازه البالغ باستقبال المراسلات والتوجيهات العملياتية الموقعة باسم الفريق سعد الدين الشاذلي شخصيًا عبر أجهزة الإشارة اللاسلكية المكتوبة .

وهي شهادة تثبت أن رئيس الأركان كان يمارس المتابعة التكتيكية الدقيقة، ويمد خيوط اهتمامه ليتواصل مع صغار الضباط والمواقع الخلفية والأمامية على حد سواء، دون إغفال لأي تفصيلة صغيرة قد تغير مسار المعركة.

كلمة أخيرة.. للتاريخ والرجال

إن حرب أكتوبر المجيدة كُرّم فيها من كُرّم، وغاب عن واجهة التكريم فيها من غاب نظرًا للظروف وتقلبات الزمن، إلا أن سيرة المعارك تظل منصفة، لا تُسقط حقًا ولا تنسى بطلًا.

كل التحية والتقدير والاحترام للأبطال: اللواء عبد القادر محمود شاهين، والأستاذ الدكتور فوزي الشربيني، والضابط عزت بدر، والعريف مجند سامي الحمامصي، وزملائهم الأبرار الذين سطروا ملحمة عسكرية ما زالت أدبيات العدو تتجرع مرارتها حتى يومنا هذا. وسيظل الفريق سعد الدين الشاذلي هو الصورة المشرفة، والقدوة الاستثنائية التي يُحتذى بها علمًا، وخُلقًا، وإيمانًا، وشجاعة.

رحم الله القائد المغوار، وسلامًا عليه في الخالدين.. فقد رفع علم مصر في قلبه أولًا، فلن تنساه مصر وأبناؤها الأوفياء أبدًا.

محمود سليمان الشيمي

(كاتب وباحث في التاريخ العسكري المصري)