وافق جوزيف عون على دعم تقدم الجيش الإسرائيلي عسكرياً داخل لبنان. مستوى من الخيانة يصعب استيعابه".
"الشرق الأوسط، هرمز، والمركنتلية الجديدة" -- مقال لِلاسكتلندي، كريغ موراي، سفير بريطاني سابق وصحفي ومؤرخ وناشط في حقوق الإنسان، نُشر في 29-6-2026 -- [م.ش.]:
بدت وثيقة الاستسلام المؤقتة التي وقعها دونالد ترامب، وكأنها تمثل انتصاراً لإيران وللعالم أجمع؛ لكن لا الولايات المتحدة ولا إسرائيل لديهما أدنى شعور بالشرف، ولا يمكن الوثوق بهما للتفاوض بحسن نية.
إيران تعرف هذا – ففي النهاية، هاجمت الولايات المتحدة إيران مرتين أثناء مفاوضات السلام، وفي كل مناسبة قتلت مفاوضين إيرانيين رئيسيين.
لفهم الموقف الأمريكي، من المهم إدراك نقطتين رئيسيتين:
إسرائيل الكبرى أولوية مطلقة:
إن فتح مضيق هرمز ليس من أولويات الولايات المتحدة.
رغم هزيمة التحالف الأمريكي الإسرائيلي، في محاولته فرضَ تغييرِ نظامِ إيران، بل وتعزيزِه لِلدَّعمِ الشعبي للنِّظامِ الإيراني، فقد نجح في توسيع ما يُعرف بـ"إسرائيل الكبرى". وقد قامت إسرائيل بتطهيرِ وتدميرِ مِساحاتٍ شاسعةٍ من جنوب لبنان، ووسَّعتْ نطاقَ وجودِها العسكريّ، وحاولت،بشكلٍ ملحوظٍ، تكرارَ خطَّتِها التي اتََّبعتْها في نوفمبر 2024، والمتمثلةِ في دفعِ قُوَّاتِها المدرعةِ،تحت غطاءِ وقفِ إطلاقِ النار المُعلَن.
كان الانسحابُ الإسرائيليُّ من جنوبِ لبنانَ نقطةَ تفاوضٍ رئيسيةً لِلْحُكومةِ الإيرانية، بل هو بند أساس - بل هو البند الأول - في مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية.
لكن في انقلابٍ غيرِ مسبوق يهدفُ إلى إلغاءِ هذا الاتفاق، وقّعتِ الولاياتُ المتحدةُ اِتِّفاقاً، معَ إسرائيلَ ونظامِ عون العميل لها في لبنان، يَسعى إلى إضفاءِ الشرعيةِ على الاحتلالِ الإسرائيلِيّ لجنوب لبنان، من خلالِ موافقةِ "الحكومةِ اللبنانية".
هذا تطور مذهل!!
لم أكنْ أظنُّ أنَّ رأيِي في الخائنِ المنتفخِ المثيرِ لِلِاشمئزاز، "جوزاف عون" سيكون أسوأ من هذا، لكن حتى أنا - ولا أظن أنَّ أيَّ مُعَلِّقٍ آخرَ - لم أُصَدِّقْ أنَّهُ سيعقدُ مثل هذه الصفقةِ مع إسرائيل.
الخطة هي أن يتعاون الأمريكيون والإسرائيليون والجيش اللبناني للقضاء على حزب اللهِ بالقوَّة، وبعد أن يُصدِّقَ الإسرائيليون على ذلك، سينسحبونَ من جنوبِ لبنان.
إليكم الفقرات الأساسية، بأرقامِها،وحسبَ تسلسُلِها في الاِتِّفاق؛ ولاحِظوا أنَّها لاتَنُصُّ صراحةً على أنَّ إسرائيل ستننحبُ فعلياً من لبنان:
"3...تلتزمُ حكومةُإسرائيلَ وحكومةُ لبنانَ بعمليَّةٍ متبادلةٍ ومتسلسلة، بشروطٍ واضحة، يقومُ بموجِبِها الجيشُ اللبنانيُّ باِستِعادَةِ السلطةِ السياديةِ الفَعّالَةِ على جميعِ الأراضي اللبنانية، ريثما يَتِمُّ التَّحَقُّقُ مِنْ نَزْع ِ سلاحِ الجماعاتِ المسلحةِ غيرِ الحكومية، وتفكيكِ البنيةِ التحتيةِ المرتبطةِ بها، مما يُمَكِّنُ جيشَ الِاحتلالِ الإسرائيليِّ من إعادةِ الِانْتِشارِ تَدْريجياً خارجَ الأراضي اللبنانية."
"5 ...تؤكد حكومةُ إسرائيلَ أنَّ إنهاءَ هذا التهديدَ، من خلال ِ نَزْع ِ سلاح ِهذه الجماعاتِ، وتفكيكِه، في جميعِ أنحاءِ لبنان،بالإضافةإلى ترتيباتٍ أمنِيَّةٍ إضافيةٍ يَتِمُّ الِاتِّفاقُ عَليها بينَ البَلَدَيْن، سيقضي على أيِّ حاجةٍ مستقبليةٍ لِلعمل ِ العسكريِّ، أو الوجودِ العسكريِّ لجيشِ الِاحتِلالِ الإسرائيلي في لبنان."
وهذا ما يتعارضُ، بشكلٍ واضح ٍ تماماً، مع مذكرةِ التفاهُمِ بينَ الولاياتِ المتحدةِ الأمريكيةِ وإيران، الَّتي تَنُصُّ في النقطةِ الأولى على ما يلي:
"توقّع الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية وحلفاؤهما في الحرب الدائرة حاليًا مذكرة التفاهم هذه لإعلان الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، والتعهد من الآن فصاعدًا بعدم شنّ أي حرب أو القيام بأي عملية عسكرية ضدّ أيٍّ منهما، والامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضدّ أيٍّ منهما، وضمان سلامة أراضي لبنان وسيادته. وسيؤكد الاتفاق النهائي الوقف الدائم للحرب على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، بالإضافة إلى بنود أخرى واردة في هذه الفقرة."
من البديهي أن الجميع يعلم أن إسرائيل لن تنسحب طوعاً، تماماً كما لم تنسحب من هضبة الجولان. إن ضم الأراضي هو الهدف الواضح، وتوسيع ما يُسمى بـ"إسرائيل الكبرى" على الأقل حتى نهر الليطاني، وربما أبعد من ذلك.
من المهم إدراك أن عون لا يسعى فقط إلى إبادة الشيعة في جنوب لبنان، بل يقوم بخيانة مجتمعه أيضاً. فعون نفسه مسيحي من جنوب لبنان، وإسرائيل تدمر منازل وكنائس ومستشفيات وعائلات المسيحيين في جنوب لبنان بنفس القدر من البهجة التي تهاجم بها المسلمين.
ينص الاتفاق على منطقتين تجريبيتين تقوم فيهما القوات المشتركة للجيشين الإسرائيلي واللبناني بالقضاء على حزب الله، على أن يتبعَ ذلك انسحابٌ إسرائيليٌّ من هاتَينِْ المنطقتَيْن.
إلا أن هاتين المنطقتين لتَحتلُّهُما إسرائيل حالياً، بل هما منطقتان هُزمت فيهما إسرائيلُ على أيدي حزبِ الله، وتتعرضان ِ مُنذُ ذلكَ الحينِ لِقَصْفٍ إسرائيليٍّ مُتواصل.
وهكذا وافق عونُ على دعمِ تقدُّمِ الجيشِ الإسرائيليِّ عسكرياً داخلَ لبنان، مُخالِفاً بذلكَ اتفاقاً يفرضُ انسحاباً إسرائيلِياً، بِمُجَرَّدِتدميرِ معاقِل ِ حزبِ اللهِ الرئيسية.
وحتى لو كان عونُ ساذَجاً لِدرجةِ الاعتقادِ بِأَنَّ الإسرائيليينَ سينسحبونَ بعد العملية، فإن هذا مستوىً من الخيانةِ يصعُبُ استِيعابُه.
إنَّ إسرائيلَ الكُبْرى ليستْ مُجرَّدَ فِكرة، بل هي حقيقةٌ تَتَشَكَّلُ أمامَ أعْيُنِنا.
تحتلُّ إسرائيلُ الآنَ 70% من غزة، ومن الواضحِ أنَّ آِليَّةَ "مجلسِ السلامِ"، بِرُمَّتِها، ليستْ سِوى ذَرٍّ لِلرَّمادِ في العيون، وخِداعٌ محض. ليس لها أي تأثير على عدمِ استمرارِ تضييقِ الخناقِ على غزّة وتحويلِها إلى منطقةٍ تَتقلَّصُ باستمرار.
إذ تتوسَّعُ المستوطناتُ الإسرائيليةُ في الضفةِ الغربيةِ يوميًا، وفي كل ليلةٍ تحمرُّ السماءُ، بحرائقِ المنازلِ والمحاصيلِ الفلسطينية.
وفي القدسِ الشرقيةِ، يُطْرَدُ الفلسطينيونَ بِاستمرارٍ، ويُستبدلونَ بوافِدينَ جُدُدٍ مِنَ اليهودِ الصهاينةِ الأوروبيينَ و الأمريكيين.
وفي سوريةَ، تَبْنِي إسرائيلُ تحصيناتٍ دائمةً، وتَتقدَّمُ قواتُهازحفاً،حقلاً تلو حقل، بِتعاون ٍكاملٍ مِنَ"الرئيس" الجولاني.
استطاعتْ إيرانُ مقاومةَ القوةِ العسكريةِ المشتركةِ للولاياتِ المتحدةِ وإسرائيل، وهذا مدعاةٌ لِلِاحْتِفال.
لكنْ: لا تَدَعوا ذلكَ يَحْجُبُ عنكم حقيقةَ التَّوَسُّع ِ المُسْتَمِرِّ لإسرائيلَ الكُبرى.
لا يوجدُ أيُّ مَكْسَبٍ لِلْوِلاياتِ المتحدةِ مِنْ مُذكِّرَةِ التَّفاهُمِ الأمريكيةِ الإيرانية،إذْلَمْ تكنْ تمتلِكُها بِالفِعْل ،ِ قبلَ بَدْءِ الحرب.
لذا، من المُمكِنِ جِدًا، بل ومِنَ الصَّوابِ، في كثيرِ مِنَ النَّواحي، اعتبارُها بِمثابَةِ إعلان ٍ رسميٍّ لِهَزيمَةِ الولاياتِ المتحدة: وثيقةِ استسلام.
ولهذا السببِ، يَنْبَغِي التَّشكيكُ بِالْتِزامِ الولاياتِ المتحدةِ ببنودِها.
كان مضيقُ هرمزَ مفتوحاً بالكاملِ، قبلَ بَدْءِ الولاياتِ المتحدةِ الحرب. وقد أصبحَ السماحُ باستئنافِ تدفُّق ِ النّفطِ أولويةً أمريكيةً قصيرةَ الأجل، نَظرًالِارتفاعِ أسعارِالتَّجْزِئَةِ، المحليةِ والانتخاباتِ الوشيكة، إلا أنَّ مذكرةَ التفاهُمِ تَنُصُّ على سيطرةٍ إيرانيةٍ أكبر - ورُبّما فرضُ رسوم - على المضيقِ، مقارنةً بما كان عليه الوضع قبل الحرب.
لا توجدُ أيُّ مُؤَشِّراتٍ على فَرْضِ قيودٍ على البرنامجِ النوويِّ الإيرانيِّ لم تكنْ مُتاحةً بالفعل، (خلال المفاوضاتِ السِّلْمِيَّة. والأهمُّ من ذلك، لا توجد قيودٌ على إنتاجِ إيرانَ الحيويِّ لِلصَّواريخِ البَّاليستية.
ويُعدُّ تخفيفُ العقوباتِ المقترحُ، والإفراجُ عنِ الأُصولِ المُجَمَّدةِ اِنْتِصاراً لإيرانَ طالَ اِنْتِظاره، كما أن مبلغ 300 مليار دولار كتعويضات، من مصادر غير محددة، أمرٌ مذهل.
من المذهل بالطبع أن أي شخص عاقل سيدرك أنهز لا توجد نية أمريكية طويلة الأمد للالتزام بالاتفاق.
ترامب ليس غبيًا. هناك العديد من الطرق لوصف دهاءه، لكنه ليس غباءً. لم يكن، كما تحاول الرواية السائدة تصويره، الشخص الوحيد في العالم الذي لم يدرك أن الحرب ستغلق مضيق هرمز. الولايات المتحدة الأمريكية سعيدة للغاية بإغلاق مضيق هرمز، أو بجعل عبوره أكثر صعوبة وتكلفة بشكل دائم.
يكمن مفتاح فهم موقف ترامب في ولعه المعروف بالتعريفات الجمركية. ترامب من أنصار المذهب التجاري. لسنوات طويلة، عمل العالم على أساس قبول مبادئ آدم سميث الاقتصادية، التي تنص على أن حرية التجارة تعزز خلق ثروة عالمية متبادلة. كان هذا هو الأساس الذي قامت عليه منظمة التجارة العالمية، وهو الفلسفة الداخلية للتكتلات التجارية الكبرى كالاتحاد الأوروبي.
يرفض ترامب هذا الرأي، ويعود إلى فلسفة مفادها أن الدول الأخرى جميعها منافسة وليست شركاء محتملين، وأن النجاح لا يكمن فقط في زيادة الإنتاج المحلي، بل في إلحاق الضرر بإنتاج المنافسين، الأمر الذي سيؤدي في نهاية المطاف إلى زيادة الإنتاج المحلي. ويرفض ترامب المبدأ الأساسي للتجارة الحرة.
كان الاعتقاد السائد منذ فترة طويلة بالآثار المفيدة للتجارة الحرة تاريخياً، كما يقتضي المنطق، مصحوباً بالمطالبة بحرية الملاحة.
إن إلغاء الرسوم الجمركية يسير جنبًا إلى جنب مع إلغاء القيود المفروضة على الملاحة البحرية التي تنقل البضائع. قبل ظهور الاقتصاد الليبرالي، مارست معظم الدول المذهب التجاري، حيث كانت القيود المفروضة على الملاحة البحرية مصدرًا رئيسيًا لإيرادات الدولة. فعلى سبيل المثال، شُيِّدت قلعة كرونبورغ المهيبة في هلسينغور، حيث تدور أحداث مسرحية هاملت، بالكامل من عائدات رسوم المرور المفروضة على السفن الخارجة من بحر البلطيق عبر المضيق الذي تُطل عليه. لم يقتصر المذهب التجاري على السيطرة على حركة الملاحة فحسب، بل سعى أيضًا إلى تحديد الدول التي يُسمح لسفنها بالتجارة.
كانت حرية الملاحة تُفرض في البداية من قِبل البحرية البريطانية، ثم الأمريكية لاحقًا. وصُنفت الدول التي حاولت فرض رسوم مرور عرفية، كما في مضيق ملقا، على أنها "قراصنة"، وأصبحت حرية الملاحة مبررًا روتينيًا للعدوان الإمبريالي و/أو الاحتلال الاستعماري. وفي نهاية المطاف، أصبحت حرية الملاحة قانونًا دوليًا عرفيًا، وتم تقنينها في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
الحقيقة البسيطة هي: بتخلي نظام ترامب علنًا عن مبدأ التجارة الحرة، يكون قد تخلى أيضًا عن مبدأ حرية الملاحة المرتبط به منطقيًا. ويتضح هذا جليًا ليس فقط في تجاهلهم لإغلاق مضيق هرمز، بل أيضًا في الحصار البحري المفروض على كوبا وفنزويلا، وقبل كل شيء في الحصار العالمي المفروض على شحنات النفط والغاز الروسية، بما في ذلك الإيقاف الفعلي للمرور الحر عبر مضيق دوفر، والحصار البحري الفعلي للممرات القطبية الشمالية.
بعد طفرة النفط الصخري، أصبحت الولايات المتحدة مُصدِّراً صافياً للهيدروكربونات. ويستفيد الميزان التجاري الأمريكي من ارتفاع أسعار الهيدروكربونات. ويبذل ترامب قصارى جهده لزيادة إنتاج الولايات المتحدة من الهيدروكربونات عبر خفض الضوابط البيئية وغيرها. وهذه سياسة أساسية من سياساته.
لا تستورد الولايات المتحدة الأمريكية المواد الهيدروكربونية عبر مضيق هرمز. هذه الحقيقة أساسية في تفكير ترامب.
من وجهة النظر التجارية هذه، فإن إغلاق المضيق له فائدتان للولايات المتحدة الأمريكية.
يؤدي ذلك إلى الإضرار بموردي الهيدروكربونات المنافسين
وهذا يضر بالمنافسين الصناعيين في أوروبا وآسيا الذين يحصلون على المواد الهيدروكربونية عبر مضيق هرمز.
هذا هو نفس المنطق الذي يقف وراء تدمير خط أنابيب نورد ستريم 2. كما يفسر النظام التجاري نفسه الاستيلاء الفعال من خلال الحصار البحري والسيطرة على إنتاج النفط الفنزويلي، وحصار المواد الهيدروكربونية الروسية من خلال العقوبات ودعاية "الأسطول الظل" التي تخفي حصارًا بحريًا آخر.
تشير الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها المملكة المتحدة في مضيق دوفر إلى أن الغرب، وليس الولايات المتحدة فقط، قد تخلى عن مبدأ حرية الملاحة في المضائق.
يعتقد ترامب، كما صرّح مرارًا وتكرارًا، أن أسعار الوقود المحلية في الولايات المتحدة مجرد تقلب عابر، وأنها ستستقر مع زيادة إنتاج الولايات المتحدة من الوقود محليًا وإنتاج فنزويلا منه. إلا أن هذا لم يحدث في الوقت المناسب لانتخابات التجديد النصفي، ولذا أصبحت إعادة فتح مضيق هرمز أولوية مؤقتة أدت إلى وقف إطلاق النار وتوقيع مذكرة التفاهم مع إيران.
لا يعني أي من هذا وجود مفاوضات بنية حسنة أو احتمال حقيقي لتحقيق سلام دائم.