الولايات المتحدة الأمريكية من القوة الناعمة الى القوة الغاشمة.
مقالات
الولايات المتحدة الأمريكية من القوة الناعمة الى القوة الغاشمة.
م. زياد أبو الرجا
13 آب 2026 , 21:54 م

اعتمدت الولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الاوسط سياسة القوة الناعمة ، بواسطة الارساليات التبشيرية الامريكية في الدولة العثمانية. بلغت ٢١ ارسالية في عام ١٨٦٩ كانت تقوم بإدارة ١٨٥ مركزا تبشيريا، زاد عددها لتصل الى ٣٠ ارسالية تملك ١٥ مركزا رئيسيا ٢٥٤ مركزا ثانويا وقد سعت إلى تحقيق اهدافها ليس عن طريق العمل التبشيري فقط بل عن طريق الخدمات الطبية وتأسيس الكليات.

الارساليات التبشيرية الامريكية ورواد النهضة الفكرية العربية في بلاد الشام خلال القرن التاسع عشر للكاتب فرحات المكاملة رسالة بحثية.تسعى هذه الورقة الى تسليط الضوء على الايجابيات التي منحتها الارساليات التبشيرية البروتستانتية الامريكية لبلاد الشام في القرن التاسع عشر ،اذ لعبت دورا كبيرا في الرقي بلغة وادب اهل الشام من خلال ما قدمته - اضطرارا - من فتح المدارس واصدار المجلاث باللغة العربية، وكذا تنشيط لعمليات الترجمة والتأليف، ما يعني التسبب في نهضة ثقافية فكرية ادبية ولغوية في اوساط شعوب الشام انذاك.

بدأت الارساليات التبشيرية في البلاد العربية منذ القرن التاسع عشر عبر جمعيات امريكية اوروبية وركزت على التعليم،الطب،والطباعة.واسست هذه البعثات مؤسسات كبرى ساهمت في النهضة العربية ، مثل الجامعة الامريكية بيروت عام ١٨٦٦ بواسطة البعثات التبشيرية الأمريكية بقيادة الدكتور دانيال بليس Daniel Bliss وحملت اسم ( الكلية السورية البروتستانتية ) ( S.P.C) Syrian Protestent College وتم تحويلها الى الجامعة الامريكية بيروت عام ١٩٢٠ (A.U. B) وكان الدكتور دانيال الرئيس الاول..

قاد التحالف الثنائي بين فرنسا وبريطانيا العظمى الحرب العالمية الأولى ضد دول المحور المتمثل بالامبراطورية العثمانية والمانيا في عام ١٩١٤ ثم شاركت الولايات المتحدة الامريكية فيها عام ١٩١٧ ضد المانيا واستثنت الامبراطورية العثمانية، ولم تدخل معها في حرب بناء على نصيحة الدكتور دانيال بليس مدیر ومؤسس الجامعة الامريكية في بيروت، والذي ذهب إلى باريس بناء لدعوة من الرئيس الامريكي حينها وكمستشار له لمعرفته التامة بالشرق الأوسط وبالاوضاع في المنطقة.كانت نصيحة الدكتور بليس عدم اعلان الحرب من قبل الولايات المتحدة الأمريكية على تركيا والاكتفاء بإعلان الحرب على المانيا، ما كان سيترك مجالا للجامعة الامريكية بان تستمر بالعمل في بيروت، ولا تترك ذريعة للحاكم التركي ان يقفلها ويقفل السفارة الامريكية كما حصل مع كل من فرنسا وبريطانيا التين اغلقت سفارتيهما ومؤسساتهما التعليمية في بيروت نتيجة دخولهما الحرب ضد تركيا .

المستشفى الامريكي في الكويت( مستشفى الارسالية الأمريكية العربية في الكويت ) بدأ العمل فى -

عام ١٩١٢ وانجز عام ١٩١٤ . وكان من اول المباني التي بنيت على الموقع في الكويت، واول مبنى من الحديد والخرسانة في الخليج . انشأ من قبل الارسالية التبشيرية العربية التابعة للكنيسة البروتستانتية الامريكية الكنيسة الانجيلية الوطنية في الكويت N.G.C.K : تعد اقدم كنيسة بروتستانتية في المنطقة ناست عام ١٩١٠ وهي من اقدم الكنائس في الكويت. وانشأت مدرسة خلف المستشفى الامريكي.رأى المبشرون ان التبشير يجب الا يقف عند انتهاء مرحلة التعليم الابتدائي والثانوي،بل يجب ان يستمر إلى مرحلة التعليم العالي لانه هو الذي يهيء قادة الشعوب.فاذا استمال المبشرون، اذن ، بعض هؤلاء الذين ينتظر ان يكونوا قادة في بلادهم ، فقد كفلوا التأثير على الشعب كله.من أجل ذلك تبلورت سياسة الارساليات الامريكية حول إقامة كليات مجهزة تجهيزا جيدا في اسطنبول وازمير والقاهرة وغيرها من مراكز البلاد الشرقية.

ومع الايام اصبح الامريكيون يعتقدون ان المؤسسات التبشيرية سواء اكانت معاهد علمية ام مؤسسات اخرى،انما هي(( مصالح امريكية ))تجب المحافظة عليها.وهم لا ينكرون ان هذه (( المصالح )) كلها نشأت من التبشير وعلى ايدي المبشرين.اهتم المبشرون الامريكيون ببلدة (( عبية )) منذ نزولهم بسورية لانها بعيدة عن مراقبة الحكومة المركزية في بيروت ولانها في وسط ظنوه يسهل عليهم عملهم التبشيري بعيدا عن العمران السياسي ووجود طوائف مختلفة في (( عبية )) وما جاورها.من اجل ذلك نزل فيها دانيال بليس وزوجته ومكثا فيها اول الامر عامين ونصف .

في حقبة ما بين الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية كانت السياسة الامريكية في فلسطين والمشرق العربي تتساوق مع السياسة البريطانية كحكومة انتداب في فلسطين وحامية لمحميات الخليج. وكان اول حضور قوي للولايات المتحدة الامريكية بعد الحرب العالمية الثانية في اللقاء التاريخي الذي جمع بين الملك عبد العزيز ال سعود مؤسس المملكة العربية السعودية والرئيس الأمريكي فرانكلين روزفيلت على متن الطراد الامريكي (( كوينسي ))،في البحيرة المرة بقناة السويس في مصر. وهو الحدث المعروف ب اتفاق كوينسي.وكان من ابرز المواضيع والمخرجات استقلال دول المنطقة : تم بحث استقلال سورية ولبنان وابدى الرئيس الامريكي دعمه لاستقلالهما وخروجهما من النفوذ الفرنسي. ووضع حجر الاساس للعلاقات الدبلوماسية، والسياسية، والاقتصادية، والامنية، والاستراتيجية الطويلة الأمد بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الامريكية.

اما بالنسبة لدعم امريكا لاستقلال سورية ولبنان عن فرنسا، كانت مؤشرا على ان الولايات المتحدة تسعى لاخراج فرنسا من الشرق الأوسط. لم يصدر في اللقاء اي موقف فيما يتعلق بالمحميات البريطانية في الخليج او اليمن. .

وكما توقع القادة البريطانيون بوضوح تام عام ١٩١٤ هو ان الدخول العثماني في الحرب شكل الخطوة الأولى على طريق اعادة صنع الشرق الأوسط، وفي الواقع ولادة الشرق الاوسط الحديث. توقع القادة الأمريكيون بوضوح تام عام ١٩٥٦ هو ان العدوان الثلاثي الذي شنته بريطانيا ، وفرنسا. واسرائيل على مصر سيشكل المرحلة الجديدة لهيمنة الولايات المتحدة الامريكية على الشرق الأوسط وانهاء النفوذ البريطاني مع الابقاء على بريطانيا كمستشار لشؤون الشرق الأوسط، ولهذا وقفت الولايات المتحدة ضد العدوان الثلاثي.واصلت الولايات المتحدة سياسة ملاحقة النفوذ الفرنسي في افريقيا وتمكنت من القضاء على الفرانكفونية.

بعد ان فرضت امريكا هيمنتها على الشرق الأوسط من خلال الدبلوماسية والقوة الناعمة. واجهتها تحديات قوية من مصر الناصرية ومحمد مصدق في إيران الذي امم النفط الإيراني. وعليه تحولت الولايات المتحدة من القوة الناعمة إلى القوة الغاشمة في الشرق الأوسط.وراحت تدبر الانقلابات والاغتيالات.شكلت الثورة الاسلامية الايرانية التحدي الأقوى للنفوذ والهيمنة الأمريكية. مما دفعها إلى زج العراق في حرب ضد ايران،وتشكيل حلف اقليمي لدول ( مجلس التعاون لدول الخليج العربية)،وحصار إيران ووضعها تحت العقوبات وتجميد اصولها المالية، وتسليح المعارضة الايرانية.ورغم ذلك صمدت ايران.مما اضطر امريكا إلى التواجد العسكري المكثف في دول الخليج واقامة القواعد العسكرية الدائمة فيها بذريعة حمايتها من إيران. لكن امريكا التي تضيق ذرعا بوجود نظام وطني في فنزويلا،ونظام اشتراكي في جزيرة كوبا.فانها لا تطيق وجود ايران قوية في الخليج،وحارس استراتيجي لبوابة قلب اسيا.فقلب اسيا هو اقتصاد العالم. لذلك شنت الولايات المتحدة الحرب الصهيو - امريكية على إيران دون تقديم المسوغ الاخلاقي،والمبرر الوطني، ودون موافقة الكونجريس الامريكي. متوهمة بان المعركة لن تتعدى الاربعة ايام او الاسبوع.

اذن، كانت القوة الناعمة المقدمة المنطقية للهيمنة الامريكية. وعليه،فان انخراط امريكا في حروب طويلة من الفيتنام إلى إيران ستكون المقدمة المنطقية للانحطاط السريع للامبراطورية الأمريكية. ولان الامبراطوريات لا تموت على فراشها، بل في ميادين الصراع،فستستمر امريكا بشن الحروب حتى تلقى حتفها في ميادين الصراع .

مهندس/ زياد ابو الرجا