✍️ عبدالله علي هاشم الذارحي
بعد 200 يوم من العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران الإسلام، لم يعد السؤال متعلقًا بحجم النيران التي أُطلقت على هذا البلد، لكن بما إذا كان المعتدي قد استطاع كسر إرادة شعبه؛ والوقائع التي أبرزتها القيادة الإيرانية خلال هذه المرحلة تشير إلى أن الرهان على إخضاع الشعب لم يتحقق.
فمنذ الأيام الأولى للعدوان الظالم، لم يتراجع الحضور الشعبي، إنما تحول إلى مشهد يومي متواصل في الساحات والميادين، ليؤكد أن المعركة بالنسبة للإيرانيين ليست مواجهة بين جيوش فحسب، وإنما معركة سيادة وكرامة وقرار وطني.
وهنا تحديدًا تتهاوى حسابات من يعتقد أن التفوق العسكري قادر وحده على فرض الإرادة السياسية.
لقد أدركت إيران أن أقوى جبهة في مواجهة العدوان هي تلك التي يتلاحم فيها الشعب مع القوات المسلحة؛ ولذلك لم يكن نزول الملايين إلى الشوارع مجرد تعبير عن موقف سياسي، لكنه أصبح سندًا معنويًا وعمليًا للمجاهدين في خطوط المواجهة، ورسالة مباشرة تقول للعدو الأمريك صهيوني وعملائه"أن الضغط العسكري لا يعني انهيار الجبهة الداخلية".
وهذه هي النقطة التي تكشف جوهر الفشل في الحسابات المعادية؛ فالقوة الوطنية لا تُقاس بعدد الطائرات والصواريخ وحدها، وإنما بمدى استعداد الشعب للدفاع عن وطنه عندما يصبح تحت التهديد.
وحين تتحول الساحات الشعبية إلى امتداد للجبهة العسكرية، يصبح استهداف الدولة أكثر تعقيدًا، لأن المعتدي لا يواجه مؤسسة عسكرية فقط، وإنما إرادة شعبية متماسكة.
ومرور 200 يوم من الصمود يضع العدوان اليوم أمام حقيقة لا يمكن تجاوزها: القصف يستطيع تدمير منشأة، لكنه لا يستطيع إسقاط إرادة شعب قرر ألا يسمح بتكرار زمن الوصاية وإملاءات دول الإستكبار العالمي.
ولهذا فإن الرسائل الإيرانية المتزامنة من القيادة الأمنية والعسكرية حملت معنى واحدًا: لا تراجع عن حماية السيادة، ولا فصل بين الشعب والقوات المسلحة، ولا إمكانية لفرض الاستسلام بالقوة.
وفي خلفية هذا الصمود تبرز أيضًا معادلة وحدة الساحات، التي تعني أن مواجهة العدوان لم تعد محصورة في جبهة واحدة، إنما تتقاطع فيها ساحات المواجهة ضمن موقف واحد.
فكل جبهة تسند الأخرى، وكل صمود يرفد صمودًا آخر، بما يجعل محاولة عزل أي ساحة أو إخضاعها أكثر تعقيدًا.
ومن هذه الزاوية، تتحول وحدة الساحات من شعار سياسي إلى معادلة ضغط ومساندة متبادلة. ولذلك فإن الرهان على تفكيك جبهات المقاومة أو فصلها عن بعضها يصطدم بواقعٍ إقليمي تتداخل فيه ساحات المقاومة والمواجهة حفاظا على مصالحها المشتركة.
مما سبق وغيره يتبين أن معادلة الـ200 يوم تختصر المشهد كله: عدوانٌ يراهن على إنهاك إيران، وشعبٌ يحوّل الصمود إلى قوة، وقوات مسلحة تجعل من هذا الصمود غطاءً لجبهة المواجهة. وعندما تجتمع هذه العناصر، يصبح الزمن نفسه شاهدًا على أن الحرب لا تُحسم دائمًا بمن يملك السلاح الأكثر، لكن بمن يملك الإرادة الأطول نفسًا، وإيران الإسلام تمتلك القيادة والإدارة والإرادة ولهذا انتصرت بالله.