في كل مرة تضيق فيها الخيارات أمام الرياض في اليمن، ويصبح من الصعب الدفاع عن حصيلة سنوات العدوان والحصار والتدخل في القرار اليمني، تعود إلى الواجهة سردية شديدة الحساسية تقوم على استدعاء مكة المكرمة وإدخالها في قلب الصراع السياسي والعسكري، وكأن أي مواجهة مع السياسات السعودية يمكن أن تُعاد صياغتها بوصفها مواجهة مع المقدسات نفسها. هذا الخلط يحمل قدرًا كبيرًا من الخطورة، لأنه ينقل النقاش من ميدان السياسة والسيادة والحقوق إلى ميدان العقيدة والوجدان، ويوظف قدسية مكة باعتبارها حصانة معنوية لسياسات دولة يمكن مناقشتها ونقدها ومحاسبتها مثل أي سياسات أخرى.
مكة المكرمة أقدم من الدولة السعودية، وأقدس من كل نظام سياسي، ومكانتها في قلوب المسلمين لا ترتبط بعائلة حاكمة ولا بمرحلة تاريخية ولا بقرار سياسي. وهي قبلة اليمنيين كما هي قبلة السعوديين، يتوجه إليها اليمني في صلاته ويحملها في عقيدته ووجدانه، ولهذا فإن محاولة تصوير اليمن وكأنه خصم للمقدسات تنطوي على إساءة عميقة إلى وعي اليمنيين ومكانة مكة في نفوسهم، قبل أن تكون مغالطة سياسية.
لا خوف على قبلة المسلمين من يمن الإيمان والحكمة، ولا يحتاج اليمنيون إلى شهادة من أحد في حب مكة وتعظيم حرمتها. المشكلة تبدأ حين تتحول قدسية المكان إلى أداة في معركة سياسية، وحين يُراد من المسلم أن ينسى أسئلة العدوان والحصار والسيادة بمجرد أن يسمع عبارة «استهداف مكة». بهذه الطريقة يصبح المطلوب من الرأي العام أن يغادر أصل الصراع كله، وأن يتعامل مع النظام السعودي باعتباره امتدادًا للمقدسات نفسها، بحيث يتحول الاعتراض على سياساته إلى إساءة للحرمين، ويصبح الرد على عدوانه اعتداءً على الدين.
هذه معادلة بالغة الخطورة، لأن مكة أكبر من أن تُختزل في النظام السعودي، وقداسة الكعبة أعلى من أن تتحول إلى مظلة تحمي قرارات سياسية وعسكرية من النقد. السعودية دولة لها مصالحها وتحالفاتها وأخطاؤها وقراراتها، أما مكة فهي قبلة أمة كاملة، ومن يحاول دمج الاثنين في صورة واحدة يضع المقدسات داخل الصراع السياسي بدلاً من أن يبقيها فوقه.
ومن هنا تبرز المفارقة الأخلاقية التي يصعب تجاوزها. اليمن الذي جعل الدفاع عن فلسطين والقدس جزءًا مركزيًا من خطابه وموقفه السياسي والعسكري لا يمكن التعامل معه بسهولة باعتباره خطرًا على مكة. من دافع عن القدس وتحمل بسبب موقفه منها أثمانًا سياسية واقتصادية وعسكرية لا يحتاج إلى دروس في حرمة المسجد الحرام، ومن جعل قضية الأقصى جزءًا من معركته مع المشروع الأمريكي والصهيوني يصعب أن يُقنع العالم بأنه في الوقت نفسه يحمل عداءً لقبلة المسلمين.
لهذا تصبح العبارة أكثر وضوحًا: من دافع عن القدس لن يفرط في الكعبة، ومن خذل المسجد الأقصى فهو إلى خذلان المسجد الحرام أقرب. فالحرص على المقدسات لا يُقاس بالشعارات ولا بالقدرة على استحضار اسم مكة عند الحاجة السياسية، وإنما يُقاس بالموقف من المقدسات كلها ومن القضايا التي ترتبط بها وبكرامة الأمة.
المشكلة أن السعودية تحاول في كل مرحلة أن تحمل الآخرين كلفة عدوانها على اليمن، وأن تنقل المسؤولية عن نتائج سياساتها إلى خصومها. عندما تضيق الحسابات الاقتصادية تظهر ورقة النفط، وعندما تحتاج إلى تعبئة وجدانية تستدعي خطاب «استهداف مكة»، وحين تتغير موازين القوة تنتقل من تفسير أسباب الصراع إلى محاولة إعادة تعريفه دينيًا. في كل مرة يجري دفع الرأي العام بعيدًا عن السؤال الأساسي: من أعلن العدوان على اليمن؟ من قاد التحالف؟ من فرض الحصار والقيود؟ من تدخل في القرار اليمني؟ ومن حاول طوال سنوات فرض معادلة سياسية على اليمن بالقوة؟
م. فؤاد أبو راس يكتب:
هذه الأسئلة هي التي يجب أن تبقى في قلب النقاش. لأن جوهر الصراع لا يتعلق بمكة ولا بالحرمين، وإنما يتعلق بالسيادة اليمنية، وحق اليمنيين في أرضهم وموانئهم ومطاراتهم ومواردهم وقرارهم السياسي. وكل محاولة لتحويل المواجهة إلى قضية دينية هدفها إخفاء هذه الحقيقة وإعادة تقديم الطرف المعتدي في صورة الحارس الوحيد للمقدسات.
لقد تغيرت الموازين اليوم، وأصبح اليمن يمتلك قدرات لم يكن يمتلكها في السنوات الأولى للعدوان، وأصبحت صنعاء أكثر قدرة على فرض كلفة مقابلة وعلى التأثير في المعادلات الأمنية المحيطة بها. وهنا تحديدا بدأت الحاجة إلى تصعيد الخطاب الديني، لأن الطرف الذي كان يدير المواجهة من موقع أكثر راحة أصبح مضطرًا إلى مواجهة نتائجها المباشرة. وعندما يصبح ميزان القوة أقل راحة، تتحول مكة فجأة إلى جزء من الرواية السياسية حتى يُعاد إنتاج الخوف والتعبئة وتبرير التصعيد.
هذه المقاربة لن تغيّر جوهر القضية. دغدغة العواطف لن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء، ولن تمحو حقيقة أن اليمن عاش سنوات طويلة من العدوان والحصار، ولن تمنع اليمنيين من المطالبة بحقوقهم. كما أن قدسية مكة لن تصبح أداة لإجبار اليمن على التنازل عن سيادته أو القبول باستمرار الوصاية عليه.
التنازل عن الحقوق اليمنية غير وارد، لأن القضية هنا تتعلق بوطن وكرامة وسيادة، لا بشعار سياسي مؤقت. اليمن لا يخوض معركة مع مكة ولا مع الحرمين ولا مع المسلمين، ويجب أن يبقى هذا الفصل واضحًا مهما حاولت الدعاية خلط الأوراق. الصراع مع العدوان، والخصومة مع من اعتدى وحاصر وتدخل في القرار اليمني، ولا علاقة لذلك بحرمة الكعبة ولا بمكانة مكة في قلوب اليمنيين.
المطلوب اليوم أن تُرفع مكة فوق هذا الاستخدام السياسي، وأن تبقى قبلة جامعة للمسلمين جميعًا، بعيدة عن محاولات تحويلها إلى ساتر إعلامي أو وسيلة لتجريم الخصوم. من يحترم مكة حقًا يصونها من التوظيف السياسي، ويمنع تحويل قدسيتها إلى أداة تعبئة في صراع بين الدول والأنظمة.
وفي النهاية تبقى الحقيقة أبسط من كل الروايات المصنوعة: مكة ليست ملكًا لنظام، والكعبة ليست درعًا سياسيًا، واليمنيون لا يحتاجون إلى أحد ليعلّمهم معنى القبلة أو حرمة المقدسات. من دافع عن القدس لن يفرط في الكعبة، ومن يريد حماية مكة فعليه أن يبقيها فوق الصراع، لا أن يستخدمها ستارًا للهروب من نتائج العدوان ومأزقه.
فلا تتعلقوا باستار الكعبة لتغطية المأزق؛ مكة للمسلمين جميعًا، واليمن سيواصل المطالبة بحقوقه وسيادته، ومقدسات الأمة ستبقى أرفع من أن تتحول إلى ورقة في يد أي سلطة سياسية.