هذا الصباح، أيقظت أمٌّ طفلها للمدرسة، رتّبت ثيابه، دسّت كتبه في حقيبته، وقبّلته عند الباب… لكنّها، قبل أن تنظر إلى الطريق، رفعت عينيها إلى السماء. ففي الجنوب، لم تعد السماء تفصيلًا في صباحات الأمهات؛ هناك مسيّرةٌ قد تكون فوق الحيّ، وطائرةٌ تعبر، ومدفعٌ يستيقظ قبل التلامذة، وانفجارٌ قادرٌ في لحظة على تحويل قبلة الوداع إلى آخر العمر.
فتح الجنوب مدارسه، فانكشفت فداحة المشهد: مدرسةٌ جُرحت، وأخرى هُدمت، وثالثة مُحي شيءٌ منها، وصفوفٌ نفضت عن مقاعدها غبار الحرب لتستقبل أطفالًا يعبرون إلى العلم من بين الركام. هنا لا يسبق جرسُ المدرسة الحصّة دائمًا؛ قد يسبقه دويّ المدفع، وقد ترتجّ النوافذ قبل أن يكتب المعلّم أول حرفٍ على اللوح.
أيُّ طفولةٍ هذه التي تعلّمت أن تميّز أزيز المسيّرة قبل حروف الأبجدية؟ وأيُّ قلب أمٍّ هذا الذي يضع الدفتر والطعام في حقيبة صغيره، ثم يترك بينهما دعاءً خفيًّا بأن يعود؟ إنهم لا يذهبون إلى مدارسهم فقط؛ إنهم يعبرون كل صباح امتحانًا في الحياة، لا أسئلة فيه سوى أن يصلوا… وأن يتعلّموا… وأن يعودوا.
في الجنوب، للمقاومة وجوهٌ لا تحمل السلاح. طفلٌ يحمل حقيبته تحت النار مقاومة، وأمٌّ ترسله إلى العلم رغم خوفها مقاومة، ومعلّمٌ يفتح باب صفّه فيما ترتجّ الأرض مقاومة. هنا يصبح طلب العلم فعلَ بقاء؛ ويصبح القلم شاهدًا صغيرًا على أرضٍ يريدها أبناؤها للحياة، مهما أثقلتها الحرب.
ولعلّ أقسى ما في الصورة وأجملها معًا: أن تمرّ طفولةٌ صغيرة بين ركام مدرستها، ثم تدخل الصف، تفتح دفترها، وتكتب التاريخ في أعلى الصفحة… كأن شيئًا لم يحدث.
عباس المعلم - كاتب سياسي