عبد الحميد كناكري خوجة: ملتقى الحضارة والعلم والإيمان؛ تلاقي الجينالوجيا الفارسية العريقة والميتافيزيقيا الإسلامية.
مقالات
عبد الحميد كناكري خوجة: ملتقى الحضارة والعلم والإيمان؛ تلاقي الجينالوجيا الفارسية العريقة والميتافيزيقيا الإسلامية.

«حين تلتقي الجذور بالتاريخ، وتسمو الروح بالإيمان، تقام حضارة تجمع عرق الأصالة وضياء الوحي؛ كتاب الله ونور الوحي.»

إنه ليس انحياز لجنس أو تفضيل وطن على وطن، بل هو انصاف للحق حين يتجسد في واقع يقاس بعمق جذوره لا بمكنة قوته. فحين أتأمل مسار البشرية، أجد أن الحضارات البشرية العابرة للعصور ليست تلك التي شيدت القصور فحسب، بل تلك التي امتزج فيها العرق بالعلم، والتاريخ بالإيمان، فأصبحت كيانا واحدا لا يفصم. ومن هنا كان اهتمامي؛ فأرض تمتد لآلاف السنين، ولم تفقد هويتها رغم ما اجتاحها من عواصف وزلازل وغزوات، بل ازدات رسوخا حين احتضنت نور القرآن، فجعلت تكريمه روحها. ومحبة بيت النبوة ركيزتها التي لا تهزم وشعبها العريق الذي ورث العز صبا وجيلا، فكان هذا الشعب ولا يزال أهلا للعز، جديرا ليس فقط بالإجلال والتقدير، بل بالإحترام والتوقير أيضا. فالعظمة الحقيقية لا تكمن في التغيير المستمر بلا جذور، بل في القدرة على الحفاظ على الأصالة مع الانفتاح على الحداثة_ وهذه المعادلة النادرة هي ما جعل من إيران ملتقى فريدا يستحق التأمل والكتابة.

إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية لم تبنى في يوم وليلة، بل هي وليدة امتزاج عميق بين أصالة فارسية عريقة عتيقة تمتد جذورها إلى أعماق التاريخ، وبين نور إسلامي سماوي أضاء الروح والوجدان. فالجينالوجيا هنا ليست مجرد سلالة أو أصل، بل هي ذاكرة حية تورث العزة والصمود جيلا بعد جيل؛ والميتافيزيقيا ليست مجرد فكر نظري، بل هي إيمان راسخ يجعل الإنسان يرى ما وراء المادة، ويؤمن بأن للكون نظاما أسمى، وللحياة غاية أكرم. ولقد كانت هذه الأرض العريقة ولا تزال تعلي كلمة القرآن الكريم، وتكرم حفاظه وعلماءه، وتبجل آل البيت، فما من مسلم على وجه الأرض إلا ويكن لهم المحبة والتبجيل، وهذه المكانة السامية كانت ولا تزال من أعمدة هذه الحضارة التي لا تقام إلا على التقوى والإنصاف والميزان والوفاء. وشعب إيران الكريم أدرك هذه الرسالة فحملها بأمانة وإصرار، فكان جديرا بما ورث، وأهلا لما بنى.

ومن هذا التلاقي الفريد بين الأصالة والوحي والتكريم، تولد العطاء العلمي المتفرد؛ فما زالت العقول الإيرانية تشع في رحاب المعرفة، وتتجاوز الحدود وتقتحم الآفاق. قارن بينها وبين غيرها: ففي حين أسهمت حضارات كثيرة في جانب واحد، جمعت بلاد فارس بين العطاء القديم والحديث، بندرة لا مثيل لها.

فالخوارزمي وضع أسس الجبر والخوارزميات التي تقوم عليها اليوم كل تقنية رقمية في العالم. وابن سينا ظل كتابه «القانون في الطب» مرجعا في جامعات أوروبا لقرون عديدة. والرازي أوجد أساليب البحث التجريبي قبل عصر النهضة بمئات السنين. والبيروني حسب محيط الأرض بدقة مذهلة وافترض دورانها حول محورها.

ولم يقتصر العطاء على الرجال؛ فالنساء في إيران شكلن ركنا أساسيا في بناء الحضارة والمعرفة، وهو رد دامغ على الحملات المغرضة التي تزعم اضطهاد النساء. فمريم ميرزاخاني كانت أول إمرأة في التاريخ تنال ميدالية فيلدز العالمية في الرياضيات.

وأنوشة أنصاري كانت أول سائحة فضاء في التاريخ. وشيرين عبادي توجت بجائزة نوبل للسلام دفاعا عن حقوق الإنسان. وسيمين بهبهاني،

وفروغ فزخزاد أسستا مدرسة شعرية وفنية لا تنسى. هؤلاء وغيرهن آلاف النساء الإيرانيات دليل ساطع على أن العطاء لا يقاس بالجنس، بل بالإرادة والمعرفة. وفي مجال الفضاء والذكاء الاصطناعي تحقق بلاد السؤدد والصناعات الثقيلة قفزات نوعية متسارعة. وهكذا يلتقي الإرث بالحداثة، وتتكامل محبة القرآن وأهل البيت مع العطاء العلمي، فلا تناقض بين جذور ضاربة في التاريخ، وشعب يسابق العصر في رحاب العلم والابتكار_ وهي ميزة قلما اجتمعت لحضارة أخرى بهذا الاتساق والاستمرار.

الخاتمة:

وهكذا تظل بلاد السياحة والجمال ملتقى الحضارة والعلم والإيمان، شاهدا خالدا على أن تلاقي أصالة الجذور بسمو الوحي وتكريم كتاب الله وآل بيت محمد النبي العدنان، هو سر الروعة التي لا تنال إلا بتكامل الهوية، فإيران ليست مجرد أرض ترسم على خريطة، بل هي روح حضارية تتجسد في تواصل لا ينقطع بين تراث يعتز بماضيه العريق، وشعب يبني مستقبله الواثق بإيمان لا يفتر وعزيمة لا تلين، حين تتكامل الجينالوجيا مع الميتافيزيقا، وتعانق محبة القرآن والأهل العلم والعمران، لا تقام أرض فحسب بل يعلو شأن أمة تعمر الأرض وتسمو بالروح، شامخة تبقى، وشامخة تمضي في درب النور والمعرفة.

كاتب دمشقي حر خارج الوطن.