للجنة الخاصة..حكومة السعودية الخفية*
مقالات
للجنة الخاصة..حكومة السعودية الخفية*

✍️ عبدالله علي هاشم الذارحي

لم تكن علاقة السعودية باليمن خلال العقود الماضية علاقة جوار عادي، ولا مجرد علاقات دبلوماسية بين دولتين؛ فقد تعاملت الرياض مع اليمن باعتباره ملفًا أمنيًا وسياسيًا استراتيجيًا، ومن هنا برزت واحدة من أكثر أدوات النفوذ السعودي غموضًا: اللجنة الخاصة السعودية لشؤون اليمن.

فاللجنة ظهرت رسميًا عام 1962م، في أعقاب ثورة 26 سبتمبر، عندما وجدت السعودية نفسها أمام تحوّل سياسي كبير في اليمن، مدعوم مصريًا، اعتبرته الرياض تهديدًا مباشرًا لمصالحها ونفوذها.

وأصبحت إدارة تابعة لمجلس الوزراء السعودي، وأن الأمير سلطان بن عبدالعزيز تولى رئاستها لسنوات طويلة.

لكن أهمية اللجنة لا تكمن في اسمها أو هيكلها الإداري، وإنما في الدور الذي لعبته في إدارة النفوذ السعودي داخل اليمن.

فقد تحولت إلى قناة للتعامل مع شخصيات قبلية وسياسية وعسكرية، وإلى وسيلة لتقديم المساعدات والبدلات المالية لبعض مراكز النفوذ اليمنية، بما يضمن بقاء الرياض حاضرة في صناعة القرار اليمني.

وكانت تقدم دعمًا لشيوخ قبائل وشخصيات يمنية، وأن واشنطن كانت ترى في ذلك وسيلة للحفاظ على إطار من النفوذ السعودي في شمال اليمن.

وهنا تتضح فلسفة اللجنة: بدل أن تحكم السعودية اليمن من صنعاء، سعت إلى التأثير في اليمن عبر شبكة من الحلفاء داخل صنعاء والقبيلة والجيش والسياسة.

ولهذا ارتبط اسم اللجنة، في الأدبيات السياسية اليمنية، بما يشبه «حكومة اليمن الخفية»، لأنها لم تكن مجرد جهة لتقديم المساعدات، بل مؤسسة تدير جزءًا مهمًا من العلاقة السعودية باليمن من خارج المؤسسات اليمنية الرسمية.

واللجنة احتفظت بملفات عن الشخصيات القبلية والسياسية والعسكرية، واستخدمت المخصصات المالية كإحدى أدوات بناء النفوذ.

ولعل أخطر ما في هذه التجربة أن المال تحول إلى أداة سياسية؛ فبدل أن يكون الدعم السعودي لليمن دعمًا للدولة اليمنية ومؤسساتها، أصبح في حالات عديدة دعمًا لشخصيات ومراكز قوى بعينها.

وهكذا نشأت معادلة: كلما كان الشخص أكثر تأثيرًا في الداخل اليمني، كان أكثر أهمية بالنسبة إلى شبكة النفوذ السعودية.

فمنذ ستينيات القرن الماضي، مرورًا بمرحلة السبعينيات والثمانينيات، ثم أحداث 1990 والوحدة اليمنية وحرب 1994، وصولًا إلى مرحلة الرئيس علي عفاش، ظلت السعودية تبحث عن صيغة تضمن ألا يتحول اليمن إلى دولة قوية ومستقلة القرار بصورة تتعارض مع حسابات الرياض.

ومن هنا يمكن فهم اللجنة الخاصة باعتبارها أداة لإدارة النفوذ لا لإدارة اليمن مباشرة. فهي لا تحتاج إلى أن تكون حكومة بديلة بالمعنى القانوني؛ يكفي أن تكون قادرة على التأثير في مراكز القوة التي تستطيع تعطيل قرار أو تمرير قرار أو تغيير موازين داخلية.

واللافت أن وثائق اللجنة التي ظهرت حديثًا تتضمن سجلات لبدلات شهرية وسنوية لشخصيات يمنية، وتمويلًا لشيوخ وشخصيات من شمال اليمن وجنوبه، إضافة إلى تمويلات مرتبطة بمجالات إعلامية وسياسية.

وهذه الوثائق، التي نُشرت ضمن ما عُرف بـ«برقيات اللجنة الخاصة السعودية»، أعادت فتح ملف حجم النفوذ السعودي في اليمن خلال العقود الماضية.

فالسعودية التي كانت تدير نفوذها قديمًا عبر المال والقبيلة والشخصيات السياسية، أصبحت تمتلك اليوم أدوات أكثر اتساعًا: الدبلوماسية، والمساعدات، والقنوات السياسية، والنفوذ الاقتصادي والإعلامي، إلى جانب الأدوات الأمنية والعسكرية.

وبالتالي فإن قصة اللجنة الخاصة ليست مجرد قصة جهاز سعودي غامض؛ إنها تكشف كيف تعاملت الرياض مع اليمن باعتباره عمقًا أمنيًا يجب التأثير في قراره السياسي.

وهنا تكمن المفارقة التاريخية: أكثر من ستة عقود من محاولة صناعة يمنٍ قابل للاحتواء لم تُنتج، في نهاية المطاف، يمنًا مستقرًا وفق الرؤية السعودية. بل إن التحولات التي شهدها اليمن منذ 2011، ثم إنتصار أنصار الله، والحرب التي بدأت عام 2015، أظهرت أن شبكات النفوذ التقليدية لم تعد قادرة على ضمان النتائج التي تريدها الرياض.

بالتالي فلن يكون اليمن بعد اليوم ساحة للتجاذبات بل قبرا لكل متآمر وجحيما لكل غاصب.

ختامًا: يمكن القول إن اللجنة الخاصة تمثل فصلًا مهمًا من تاريخ الصراع على القرار اليمني؛ فصلٌ بدأ في ستينيات القرن الماضي عندما خشيت السعودية من قيام جمهورية يمنية ذات توجه مستقل، واستمر لعقود عبر بناء شبكة واسعة من النفوذ، حتى وصلت العلاقة السعودية اليمنية إلى مرحلة العدوان

والحصار، وتثبيت اليمن مؤخرًا لمعادلتي الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد.

والدرس الأبرز من كل ذلك أن اليمن اليوم قادرًا على أن يبني دولته ويمتلك القرار اليمني، ولن ترى الدنيا على أرضي وصيًا.