تمكن علماء الفلك من تفسير لغز انفجار كوني غامض بعد مرور نحو 20 عاما على حدوثه، بعدما عثروا على مجرة خافتة يعتقد أنها قد تكون المكان الذي وقع فيه الانفجار.
ويعود الحدث إلى عام 2006، عندما رصد علماء الفلك انفجار غاما المعروف باسم GRB 061201.
وكان هذا الانفجار غير معتاد إلى درجة جعلت العلماء يواجهون صعوبة في تفسيره ضمن القوانين والنماذج الفيزيائية المعروفة.
وتعد انفجارات غاما من أقوى الانفجارات التي تحدث في الكون، وغالبا ما ترتبط بعمليات عنيفة مثل اندماج الأجرام فائقة الكثافة، ومن بينها النجوم النيوترونية.
ولفهم طبيعة الانفجار وحساب طاقته الحقيقية، يحتاج العلماء إلى معرفة المسافة التي وقع عندها، وهو ما يتطلب تحديد المجرة التي ينتمي إليها.

لكن لفترة طويلة لم يتمكن الفلكيون من العثور على هذه المجرة، ولذلك اعتبر انفجار GRB 061201 حدثا «بلا موطن معروف».
أين وقع الانفجار؟
ظل العلماء أمام احتمالين رئيسيين.
الاحتمال الأول أن الانفجار وقع داخل مجرة قريبة نسبيا، بينما كان الاحتمال الثاني أن مصدره يقع على مسافة هائلة، وأن المجرة التي حدث فيها كانت خافتة للغاية بحيث لم تتمكن التلسكوبات المتوفرة في ذلك الوقت من رؤيتها.
وكان تحديد المسافة أمرا بالغ الأهمية، لأن اعتبار الانفجار قريبا كان سيجعل خصائصه تبدو شديدة الغرابة.
ففي هذه الحالة، ستكون طاقة الانفجار أكبر بكثير، كما ستكون نفاثة الإشعاع أضيق وأقوى من تلك التي رصدت في انفجارات غاما المماثلة المعروفة.
وكان هذا السيناريو سيؤدي أيضا إلى مشكلة أخرى، إذ كان سيعني أن عمليات اندماج النجوم تحدث بمعدل أكبر مما تشير إليه بيانات موجات الجاذبية، وهو احتمال اعتبره العلماء غير مرجح.
جيمس ويب يعثر على المجرة الخافتة
جاء الحل من دراسة جديدة نشرت في مجلة Astrophysical Journal.
واستخدم الباحثون صورا التقطها تلسكوبا جيمس ويب وهابل الفضائيان، لإعادة فحص المنطقة نفسها من السماء والبحث عن مصادر ضوء خافتة لم تكن واضحة في الصور السابقة.
وخلال التحليل، تمكن العلماء من تحديد مجرة شديدة الخفوت لم تكن مرئية في السابق، وأطلقوا عليها اسم G2.
وأظهر تحليل الضوء الصادر عن هذه المجرة أنها تقع على مسافة كبيرة جدا، بما يتوافق مع انزياح أحمر يبلغ z = 1.2.
ويستخدم الانزياح الأحمر في علم الفلك لتقدير المسافات الكونية، إذ إن تمدد الكون يؤدي إلى انتقال الضوء القادم من الأجرام البعيدة نحو أطوال موجية أكبر.
وتشير هذه النتيجة إلى أن انفجار GRB 061201 كان أبعد بكثير مما كان يعتقد سابقا.
الانفجار يتوافق مع قوانين الفيزياء
بعد أخذ المسافة الجديدة في الاعتبار، أصبحت طاقة الانفجار وطريقة تطور التوهج اللاحق متوافقتين بصورة جيدة مع الخصائص العامة المعروفة لانفجارات غاما القصيرة.
وبذلك لم يعد الانفجار يبدو كحدث استثنائي يتحدى النماذج الفيزيائية المعروفة.
كما وجد الباحثون أن معدل اندماج النجوم الذي يمكن تقديره استنادا إلى هذه النتائج أصبح متوافقا مع البيانات التي سجلتها أجهزة الكشف عن موجات الجاذبية.
وهذا يوفر دعما إضافيا لفكرة أن الانفجار نتج عن عملية اندماج نجمين نيوترونيين، وهي من الأحداث التي يمكن أن تنتج انفجارات غاما قصيرة وقوية.
المجرة G3 ليست المرشح الأقوى
درس العلماء أيضا جسما آخر أقرب إلى موقع الانفجار، أطلقوا عليه اسم G3.
لكن التحليل الإحصائي أظهر أن G3 ليس مرشحا قويا ليكون المجرة المضيفة للانفجار، إذ من المرجح أن وجوده في المنطقة نفسها كان مجرد مصادفة.
وعلى العكس من ذلك، اجتازت المجرة G2 الاختبارات التي أجراها الباحثون، وأصبحت المرشح الرئيسي لتكون المجرة التي وقع فيها انفجار GRB 061201.
التأكيد النهائي يحتاج إلى التحليل الطيفي
ورغم قوة الأدلة الجديدة، يؤكد العلماء أن تحديد المجرة المضيفة بشكل نهائي لا يزال يحتاج إلى إجراء تحليل طيفي.
ويتيح التحليل الطيفي قياس خصائص الضوء الصادر عن المجرة بصورة مباشرة، ومن ثم تحديد المسافة إليها بدقة أكبر.
لكن النتائج المتوفرة حتى الآن تشير إلى أن انفجار GRB 061201 لم يكن انتهاكا لقوانين الفيزياء، كما بدا للعلماء في السابق.
بل يبدو أن المشكلة كانت في أننا لم نكن نعرف موطنه الحقيقي.
وبفضل الصور الحديثة التي التقطها تلسكوبا جيمس ويب وهابل، أصبح لدى العلماء الآن مرشح قوي لموقع الانفجار، وهو ما يسمح بوضع الحدث الكوني الغامض ضمن الإطار المعروف لانفجارات غاما وعمليات اندماج النجوم النيوترونية.