يوراسيا - القارة المركزية - الامتحان الصعب .
مقالات
يوراسيا - القارة المركزية - الامتحان الصعب .
م. زياد أبو الرجا
1 أيلول 2026 , 16:37 م

كتب زبينيو بريزنسكي في كتابة رقعة الشطرنج الكبرى : الأولويات الأمريكية والتزاماتها الجيو استراتيجية وفي مقدمتها تحطيم روسيا من خلال حديقتها الخلفية المؤلفة من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق. يجب ان تبدأ الحركة الأولى منها.وان التاريخ البشري اظهر ان السيطرة على قلب يوراسيا كان المفتاح للسيطرة على العالم. وعلى الرغم من ان الدوافع قد تغيرت خلال العشرين قرن الماضية، الا ان هذه المنطقة بقيت اهميتها الاستراتيجية نفسها ولم تتغير.وضح بريزنسكي القضية الملحة التي تحرك السياسة الامريكية. (( القوة التي تسيطر على يوراسيا ستسيطر على اقليمين من ثلاثة اقاليم متقدمة جدا ومنتجة اقتصاديا، وبمجرد نظرة خاطفة على الخارطة توحي ان السيطرة على يوراسيا ستتضمن اتوماتيكيا التبعية الأفريقية ونصف الكرة الارضية واقيانيا( استراليا ) كجغرافيا طرفية للقارة المركزية للعالم. يعيش فيها ٧٥ بالمائة من سكان العالم وتمثل ٦٠ بالمائة من الناتج القومي الاجمالي وحوالي ثلاثة ارباع الطاقة المعلومة للعالم)). .

وقال مفكر امريكي اخر:(( ان من يسيطر على النفط والغاز في قارة يوراسيا التي تشمل الشرق الأوسط، وحوض قزوين واسيا المركزية، سيحدد من يعيش، ومن يموت، ومن يأكل ومن يجوع )).

وعلى هدي هذه الاستراتيجية بدأ وضع الاسس لهجمات الحادي عشر من سبتمر على برجي التجارة العالمية ومقر البنتاجون، بالتعاون الوثيق والتنسيق بين وكالة المخابرات المركزية الامريكية

ال. سي.اي.ايه وجهاز الاستخبارات الباكستانية ( ISI) لوضع الخطط لغزو افغانستان، وفي اجتماع ال(٦+٢ )في شهر تموز / يوليو ٢٠٠١ قال وزير الخارجية الباكستاني نياز نايك ان المسؤولين.الامريكيين الذين شاركوا في الاجتماع ابلغوه ان العمليات العسكرية للاطاحة بنظام طالبان ستبدأ قبل هطول الثلوج في افغانستان، في وسط اكتوبر والهدف القضاء على بن لادن وقائد طالبان الملا عمر او اعتقالهما والاطاحة بنظام طالبان واقامة حكومة انتقالية من المعتدلين الافغان.وبالفعل غزت امريكا افغانستان واحتلتها عام ٢٠٠١.ثم هيأت مسرح العمليات العسكرية لغزو العراق بذريعة امتلاكه لاسلحة الدمار الشامل واحتلت العراق عام ٢٠٠٣ ثم انتقلت الى اثارة ما يسمى الربيع العربي بالتنسيق مع تحالف اردوغان والبترو دولار الخليجي وتنظيم الاخوان المسلمين العالمي لاسقاط الدول.والانظمة في الشرق الاوسط بتجنيد كل قوى الارهاب العالمي. ..

.ضمت روسيا شبه جزيرة القرم عام ٢٠١٤ تدخلت القوات العسكرية الروسية تحت غطاء منظمة معاهدة الامن الجماعي في كازاخستان في يناير ٢٠٢٢ لقمع الاحتجاجات الواسعة التي كان وراءها ال .سي.اي.ايه واستقرار النظام الحاكم بناء على طلب رئيسها.ثم شنت حربا استباقية على اوكرانيا في فبراير ٢٠٢٢ لاحباط انضمامها لحلف الناتو وتوسيعه شرقا نحو حدودها.

بعد فشل كل محاولات الولايات المتحدة والناتو. في الدخول الى قلب يوراسيا

شنت الولايات المتحدة الحرب الصهيو - امريكية على ايران.ازاحت هذه الحرب الستار عن ان الامبراطورية الامريكية تواجه نفس الظروف التي واجهت تراجع وانحطاط الامبراطورية الاسبانية عام ١٦٠٠،والامبرطورية البريطانيةفي بداية القرن العشرين والاتحاد السوفياتي قبل انهيار جدار برلين وتفككه في اوائل تسعينيات القرن العشرين مع فارق جوهري ان مجموع الالتزامات الاستراتيجية والمصالح الحيوية التي تم تحقيقها بعد الحرب العالمية الثانية،الاقتصادية والسياسية والعسكرية اوسع نطاقا من المصالح التي حققتها الامبراطوريات السابقة.وانها في وضع لا تستطيع ان تحافظ على الالتزامات والتوازن المعقول لمتطلبات الدفاع عنها والوسائل التي تمتلكها للحفاظ على هذه الالتزامات.وانه لا يمكن الدفاع عنها كلها في ذات الوقت.والاصعب من ذلك انه لا يمكن التخلي عنها كلها دون الانزلاق الى المخاطر التي انزلقت اليها الامبراطوريات السابقة.ونظرا لاتساع هذه المصالح المنتشرة على خارطة العالم فان نتائج الانزلاق وتداعياته ستكون مدوية وبسرعة اكثر من تفكك الاتحاد السوفياتي.

لقد بدأ مؤرخو صعود وانحطاط الامبراطوريات السابقة يناقشون التمدد الامبريالي الاقصى للولايات المتحدة الامريكية ويضعون امام صانعي القرار في الولايات المتحدة،وان عليهم مواجهة الحقيقة المحبطة والدائمة وان المحصلة النهائية بالالتزام بالدفاع عن هذه المصالح هذه الايام تفوق قدرتها للدفاع عنها جميعا في ذات الوقت.

فالجدل الدائر بين البنتاغون والبيت الابيض ومجلسي النواب والشيوخ والخزانة الامريكية والانتليجنسيا الامريكية يتمحور حول المصالح الامريكية وعدم القدرة عن الدفاع عنها كلها في ذات الوقت.وبالعودة الى رؤية بريزنسكي الاستراتيجية فان التزامات الولايات المتحدة في اوروبا والباسيفيك وتايوان على اهميتها تصغر امام اهمية واولوية الالتزامات الامريكية في السيطرة على يوراسيا.لكن لجنرالات الجيش الامريكي وهم المعنيين مباشرة بالقوة العسكرية التي تحافظ على المصالح والالتزامات كلها باتوا في وضع لا يسمح لهم بمواصلة اعطاء الاولوية للحرب على ايران للولوج الى يوراسيا قلب العالم على حساب جبهات الباسيفيك وتايوان واوروبا .واذا ما اضفنا الدين الامريكي الذي تجاوز الاربعين تريليون دولار فان حتمية الانحطاط والتراجع الامريكي مستمرة ولا مجال لوقفها مهما اتخذت الادارة الامريكية من اجراءات.وامام هذا الوضع فان ثلاثي خصوم امريكا في يوراسيا-الصين،روسيا وايران- فان لسان حالهم يقول لامريكا ما قاله الشاعر العربي جرير

انا الموت الاتي عليكم

فليس لهارب مني نجاء

مهمدس/ زياد ابو الرجا