عبد الحميد كناكري خوجة: من مدرسة ميتاب إلى زفاف كوهستك...الحكومة الإبستينية تذبح الفرح وتكمل سجلها الأسود.
مقالات
عبد الحميد كناكري خوجة: من مدرسة ميتاب إلى زفاف كوهستك...الحكومة الإبستينية تذبح الفرح وتكمل سجلها الأسود.

«ليلة سوداء في كوهستك..حيث أعدمت الصواريخ الأمريكية البهجة وداست بوحشية على حق الطفولة في الحياة.»

أكتب هذه الكلمات وأنا أرى أمامي صورة تراجيدية لا تمحى: أطفال ينزفون في مستشفى ميتاب، وبيت كان قبل ساعات صالة فرح فتحول الفرح إلى ترح. لم يكن قصف طائرات قطب الهيمنة والعدوان، على حفل الزفاف في كوهستك خبرا عابرا بل طعنة جديدة في خاصرة الكرامة الإنسانية، وحلقة إضافية في سلسلة الفظائع التي يرتكبها أرباب الفساد في الأرض، كلما رفض شعب الإرادات الحرة أن يركع. اهتمامي بهذا الحدث واجب أخلاقي وتاريخي. فحين يستهدف صاروخ منزلا يضم عائلات تحتفل بحياة جديدة، ويقتل أطفالا ويصيب عشرات المدنيين، يصبح الصمت تواطؤا. وأنا الذي رأيت كيف تستهدف مدارس البنات في ميتاب وصالات الرياضة في لامرد، وكيف تسفك دماء الأبرياء في أكثر من بلد عربي وإسلامي على يد القوات الأمريكية، لا أملك إلا أن أرفع الصوت، وألقم قلمي بالمداد الذي سيفرغ على الصفحات. هذه الجريمة امتداد طبيعي لمنطق إمبراطورية بنيت على القتل والتهجير والإبادة. وما زالت تمارسه كلما واجهت جمهورا يرفض الخضوع والخنوع.

في تلك الليلة السوداء لم تكن صواريخ الحقد تستهدف جدرانا فحسب، بل كانت تحج شطر لحظة الفرح ذاتها. حفل زفاف تحول فجأة إلى مأتم جماعي، وأطفال كانوا يضحكون ألقوا تحت الأنقاض. أربعة إلى خمسة شهداء بينهم طفل في الرابعة من عمره، وستون جريحا معظمهم نساء وصغار. ليسوا أرقاما في بيان عسكري، بل شهودا على طبيعة هذه المجزرة. صور الهلال الأحمر كشفت الجدران المهدمة والجرحى كبارا وصغارا، بينما روى طفل نجا من الانفجار كيف سمع هدير الطائرات ثم وجد الحجارة تتطاير على وجهه. نائب محافظ هرمزغان أكد أن المنزل كان مدنيا خالصا. المختصون

وصفوا هذا العدوان بأنها جريمة حرب مكتملة الأركان، والجيش الإيراني توعد برد شامل. محمد باقر قاليباف لخص السجل بكلمات قاسية: ”من مدرسة ميتاب إلى صالة لامرد إلى زفاف كوهستك...الشيطان الأكبر يكرر فعلته.“ إسماعيل بقائي رأى فيها امتدادا لسلسلة الفظائع، والهلال الأحمر رفع الأمر إلى المحكمة الجنائية الدولية. هذه ليست حوادث منفصلة ولا أخطاء تقنية. إنها منهج إمبراطورية أسست وجودها على الإبادة والترويع والسطو على خيرات الشعوب. الولايات المتحدة الأمريكية التي تدعي وتزعم الدقة الجراحية تختار عمدا الأهداف المدنية حين تريد كسر إرادة الجماهير الشريفة الرافضة للخضوع. إيران الغنية بالنفط تدفع ثمن استقلالها، تماما كما دفعت دول وشعوب أخرى ثمن عدم القبول بالهيمنة. خلف كل قذيفة أو صاروخ يسقط على عرس أو مدرسة أو صالة أو منتزه تقف سياسة طويلة الأمد تهدف إلى إضعاف كل من لا يرضى أن يكون تابعا، وتغذي الصراعات وتدعم أدوات التطرف والإرهاب المتأسلم حين يناسبها ذلك. الدم المسفوك في كوهستك ليس نتيجة سوء تقدير، بل نتاج عقلية ترى في المدنيين أوراقا قابلة للحرق كلما تعثر مخطط السيطرة.

جريمة كوهستك التي خلقت فساتين النساء البيضاء مضرة بالدم وحولت فرح الأطفال إلى رقصة الموت، ليست نهاية سلسلة، بل حلقة جديدة تفضح هشاشة الرواية التي تدعي الرحمة والدقة. الدولة التي ترفع شعارات حقوق الإنسان تترك خلفها رماد الأفراح وجراح الأطفال. التاريخ يسجل، والذاكرة لا تخون. فدماء ميتاب وكوهستك وغيرها شاهد حي أن من يرفض الركوب في قطار الذل والعار المتمثل بالهيمنة الأمريكية يدفع ثمنا باهضا، وأن امبراطورية الشر والدمار المتهاوية ما زالت تبحث عن ضحايا جدد في كل زاوية يرفض فيها الإنسان أن يكون عبدا ذليلا. هذه الجريمة وغيرها من جرائم لن تطوى صفحاتها. ودماء عالم البراءة في كوهستك وميتاب ولامرد تطالب بتحقيق مستقل ومحاسبة دولية حقيقية.

كاتب دمشقي حر.