تطوير شريط نانوي من الغرافين يغير اتجاه التفافه
منوعات
تطوير شريط نانوي من الغرافين يغير اتجاه التفافه
4 أيلول 2026 , 17:01 م

تمكن علماء من جامعة ناغويا في اليابان من تطوير شريط نانوي من الغرافين يستطيع الانتقال بين اتجاهين مختلفين للالتفاف الحلزوني، الأيمن والأيسر، وذلك بمجرد تغيير المذيب المحيط به.

ويمكن لهذه المادة ايضا تغيير اتجاه الاستقطاب الدائري للضوء الذي تبعثه، وهي خاصية مرتبطة بالبنية الحلزونية للمادة.

شريط نانوي يغير اتجاه التفافه ( مصدر الصور: جامعة ناغويا )

ونشرت نتائج الدراسة في مجلة Nature Communications.

بنية دقيقة من ذرات الكربون

شرائط الغرافين النانوية هي هياكل شديدة الرقة تتكون من حلقات كربونية مترابطة. وعندما يتخذ هذا الهيكل شكلا حلزونيا، فإنه يكتسب خاصية تعرف باسم الكيرالية أو عدم التطابق مع صورته في المرآة.

وتعني هذه الخاصية أن البنية يمكن أن توجد في شكلين متشابهين ظاهريا لكنهما يمثلان صورتين مرآتيتين، ويمكن وصفهما بشكل مبسط بأن أحدهما يلتف إلى اليمين والآخر إلى اليسار.

وقبل هذه الدراسة، لم يكن العلماء قد تمكنوا من تطوير شريط نانوي من الغرافين يمكنه الانتقال بين هذين الشكلين عند الطلب.

ولحل هذه المشكلة، استخدم الباحثون وحدة بناء غير اعتيادية تعرف باسم [4]هليسين أو التتراغيليسين، وهي جزيء يتكون من أربع حلقات مترابطة.

مشكلة عدم استقرار الجزيئات

واجه العلماء مشكلة رئيسية تتعلق بالتتراغيليسين، وهي عدم استقراره.

فالجزيئات المنفردة من هذه المادة تغير اتجاه التفافها بسرعة كبيرة، ولذلك لا تستطيع الحفاظ على شكل كيرالي محدد لفترة طويلة.

لكن الكيميائيين تمكنوا من التغلب على هذه المشكلة من خلال جمع عدد كبير من هذه العناصر غير المستقرة في سلسلة طويلة.

وبعد ربط العناصر المتجاورة معا، بدأت الجزيئات في التأثير بعضها في بعض، وأصبح التفافها متزامنا. ونتيجة لذلك، اكتسبت أجزاء كبيرة من الشريط النانوي الاتجاه الحلزوني نفسه.

المذيب يتحكم في اتجاه الالتفاف

اختبر الباحثون المادة داخل ستة أنواع مختلفة من السوائل الكيرالية، وهي سوائل تحتوي على جزيئات يمكن أن توجد في شكلين يمثل كل منهما صورة مرآة للآخر.

وكان بيتا بينين هو المركب المناسب لهذه المهمة. وهو مركب طبيعي يوجد، من بين مصادر أخرى، في أشجار الصنوبر وقشور الحمضيات.

ويمتلك بيتا بينين شكلين جزيئيين متطابقين في التركيب لكنهما متعاكسان في الترتيب المرآتي.

وأظهر الباحثون أن كل واحد من هذين الشكلين يدفع الشريط النانوي إلى الالتفاف في اتجاه معاكس للاتجاه الذي ينتج عن الشكل الآخر.

ولم يقتصر التغيير على شكل الشريط، بل تغير ايضا اتجاه الاستقطاب الدائري للضوء المنبعث من المادة، وهي خاصية ضوئية تتأثر بالتركيب الكيرالي للجزيئات.

تأثير قوي عند درجات حرارة منخفضة

كان التحول بين حالتي الالتفاف واضحا بدرجة كبيرة، إذ اصطف تقريبا جميع عناصر الشريط النانوي في اتجاه واحد.

وسجل العلماء أقوى تأثير عند درجة حرارة بلغت ناقص 90 درجة مئوية، بينما أصبح التأثير أضعف كلما اقتربت درجة الحرارة من درجة حرارة الغرفة.

وكان التتراغيليسين يعتبر في السابق مادة غير مستقرة بدرجة كبيرة بحيث يصعب استخدامها في تصنيع مواد كيرالية مستقرة.

لكن الدراسة أظهرت أن جمع عدد كبير من هذه العناصر داخل هيكل واحد مرتبط ميكانيكيا يمكن أن يحول عدم الاستقرار من مشكلة إلى ميزة مفيدة.

آلية تشبه التفاعل المتسلسل

يمكن تشبيه الآلية التي اكتشفها الباحثون بالتفاعل المتسلسل.

فالتأثير الذي يمارسه المذيب الكيرالي على جزيء منفرد يكون ضعيفا للغاية، لكن عندما ترتبط الجزيئات ببعضها داخل بنية الشريط النانوي، فإنها تضخم هذا التأثير.

ونتيجة لذلك، تنتقل المادة بصورة شبه كاملة إلى واحدة من حالتي الالتفاف الحلزوني الممكنتين.

وهذا يعني أن تأثيرا ضعيفا على مستوى جزيء واحد يمكن أن يتحول إلى تغير واضح على مستوى البنية النانوية بأكملها بفضل الترابط بين عناصرها.

تطبيقات محتملة في التكنولوجيا

يرى الباحثون أن هذا النظام يمكن أن يفتح المجال أمام استخدامات مختلفة في الأجهزة البصرية والحساسات الكيميائية والمكونات الإلكترونية.

وقد تسمح حساسية المادة تجاه جزيئات معينة بتطوير حساسات كيرالية قادرة على الكشف عن مواد كيميائية محددة.

ومن التطبيقات المحتملة ايضا مجال السبينترونيات، وهو مجال تكنولوجي يعتمد على استخدام خاصية دوران الإلكترونات حول نفسها، المعروفة باسم اللف المغزلي أو Spin، لنقل المعلومات، بدلا من الاعتماد فقط على الشحنة الكهربائية للإلكترونات.

وقد تسمح البنية الكيرالية للمادة بتمرير الإلكترونات ذات الاتجاهات المختلفة للسبين بطريقة مختلفة، وهو ما قد يوفر آليات جديدة للتحكم في حركة الإلكترونات واستخدامها في المكونات الإلكترونية.

ما زال التطبيق العملي بعيدا

رغم هذه النتائج، لا تزال هناك عقبات قبل إمكانية استخدام هذه التقنية في تطبيقات عملية.

فالشريط النانوي يحافظ حاليا على اتجاه الالتفاف الذي يحدده له فقط أثناء وجوده في مذيب كيرالي.

وعند إزالة المذيب، تعود البنية إلى حالة مختلطة وغير مستقرة، ما يعني أن المادة لا تحتفظ بالاتجاه الذي اكتسبته بشكل دائم.

ولهذا، يعتزم العلماء العمل على تطوير ما يمكن وصفه بـ "ذاكرة كيرالية"، أي مادة تستطيع الاحتفاظ باتجاه الالتفاف الذي اختارته حتى بعد إزالة المذيب.

وإذا نجح الباحثون في تحقيق ذلك، فقد تصبح هذه البنية النانوية أكثر ملاءمة للاستخدام في التطبيقات البصرية والإلكترونية والحساسات الكيميائية المتقدمة.

المصدر: مجلة Nature Communications