عبد الحميد كناكري خوجة: أروع السطور بعبق العطور...وأبهى صورة لإيران الأسطورة.
مقالات
عبد الحميد كناكري خوجة: أروع السطور بعبق العطور...وأبهى صورة لإيران الأسطورة.

« أرض تفيض علما وإيمانا..وشعب يتوهج عزما وبنينانا..ومن عبق التاريخ تفجر النور، ومن إرث العلماء تشكل المجد..حضارة لا تشيخ، وأسطورة تتجدد كل حين.»

لا تقاس الأوطان في حدودها المرسومة على الخرائط، ولا الحضارات في المتاحف، بل في استمرار حضورها وإثمارها، ولا قيمة لها في حدودها وحدها، بل في أثرها الحي عبر الزمن. وبقدرتها على أن تواكب الحداثة دون أن تنسى أصلها. ما أكتبه اليوم ليس تعصبا لجنس، ولا تفضيلا لوطن على آخر؛ بل إنصافا لرقعة جغرافية ذات تاريخ، امتزجت فيها روعة الماضي بعبق الحاضر، وتكاملت أصالة جذورها مع روح العصر، تعرف اليوم، بالجمهورية الإسلامية الإيرانية. وعاصمتها طهران التي تتألق في قلب آسيا. تدرك روعتها حين تبصر خريطتها: أرض شاسعة، يعانقها الخليج الفارسي بمياهه الزرقاء كلؤلؤة كبيرة، ويتصدر مضيق هرمز مفتاح العالم وشريان تجارته الواسعة. أرض الحضارة الإسلامية التي أنجبت من رحمها الخوارزمي واضع أسس الجبر والخوارزميات، وابن سينا طبيب العصور، والرازي رائد التجريب الطبي، وسيمين بهبهاني وفروغ فزخزاد عميدات الشعر المعاصر، ومريم ميرزاخاني أول عالمة رياضيات تنال ميدالية فيلدز_عطاء لا ينضب جيلا بعد جيل. وحين تراها تبني صناعاتها الفضائية والعسكرية والتقنية بكفاءة ذاتية، وتقف قوة إقليمية قادرة على حماية مصالحها في وجه الضغوط الخارجية. تتأكد أن شعبا يحمل هذا التراث يستحق أن يرسم بأصدق صورة. تجمع بين ماضيها العريق وحاضرها المتجدد هذا دافعي:

إن إيران ليست مجرد بقعة جغرافية، بل رقي وازدهار تركت أثرا عميقا في تاريخ المنطقة. تسطع بنور لا يغيب. تمتد بين جبال شامخة كالقيثارة العتيقة. كل همزة فيها وتر يعزف لحن الأصالة. تحتضنها سهول خصيبة، وغابات كثيفة، تنبع من باطن جبالها ينابيع دافئة تحمل الشفاء والإنتعاش.

وصحارى واسعة تمتزج رمالها بخيوط الشمس. ويقف مضيق هرمز حارسا أمينا يزود عن ترابها منذ آلاف السنين. تتبدى الأرض كلوحة منمنمة: الشمال بارد كاللؤلؤ، والجنوب دافئ كالعقيق، والوسط معتدل كالربيع؛ تكامل بديع لا يفوقه جمال. عاصمتها تمتد أسفل جبل دماوند، تجمع بين؛ عمران حديث ومعالم تاريخية، فتشكل مركزا حضاريا نابضا يجمع بين الأصالة والمعاصرة. يعتنق تراثا عريقا، فتصير عنقودا من النور يتدلى من عنان السماء، تضم معالم أثرية وسياحية، وتتوسط أحياءها معالم دينية عتيقة تنبعث من رحابها آيات الذكر الحكيم، تكريما للقرآن، روح وعماد هذا البلد.

ومشهد، تبرز بأحلى مشهد، قلب خراسان، مهد الروحانية تقف كقبلة للمؤمنين؛ يتضوع في فضاءها عطر ذكر الرحمن، وهي مقصد الملايين لما تحمله من بركة وإشعاع. وتبريز، عاصمة الشمال الغربي. من المدن التاريخية التي تقف بشموخ بتراث يضرب في عمق الأزمان؛ تشتهر بأسواقها العتيقة التي تعد واحدة من أقدم وأضخم الأسواق المغطاة، ألماسة تتلألأ بين الجبال الشامخة. ولا يغيب عن أذهاننا أصفهان، مدينة المعالم، حيث تقف مبان ذات طراز معماري مميز تشتهر بقبابها المزخرفة التي تعد من أبرز الأمثلة على الفن الإسلامي في المنطقة. وتتوسطها ساحة واسعة كصفحة من كتاب المجد. وشيراز، مدينة الزهور والأدب وخلاصة الورود، حديقة تبتسم أزهارها لزائريها؛ عبيرها حتى يكاد يحملك بين النسمات، ويكتب على كل زهرة اسم حافظ وسعدي_إنها حقا مدينة الشعر والحكمة. ويزد، تقف بين يدي التاريخ، تشهد على تعاقب الحضارات وتحتفظ بطابع لا يضاهى. وكاشان، تفوح بمسك العراقة والحدائق الممتدة جذورها في عمق التاريخ، تتباهى ببيوتها العتيقة، تحفة فنية نادرة_ لكل مدينة طابعها الخاص الذي يميزها. كما تفخر هذه الأرض بثرواتها الطبيعية فغاباتها الكثيفة تعد من أجمل المساحات الخضراء ومروجها وسهولها الغناء في المنطقة، توفر مناخا معتدلا وأوكارا للحياة البرية. وتنبع من جبالها الحمامات المعدنية الدافئة التي تقصد للاستشفاء منذ قرون، تحمل معها الطب الإسلامي الفارسي البديل الذي يجمع بين خبرة الأجداد وخواص الأعشاب الطبيعية والمياه المعدنية، فيصبح مزيجا من الشفاء والحكمة. وتفخر هذه الديار بأنها من الأوائل عالميا في انتاج الزعفران، خيوط حمراء تشبه خيوط الشمس، وفي انتاج الفستق، حيث تمتد مزارع رفسنجان كبستان من المعدن الأخضر تحت الأشعة الذهبية الدافئة. وفوق كل ذلك فهي ملكة صناعة السجاد؛ كل نسجة حكاية، وكل لون رسالة حتى غدا السجاد راية يضرب بها المثل في كل أصقاع الأرض. تفخر هذه الرقعة باحتضان العربية تكريما للقرآن وتواصلا مع الأمة. وقد توسع الاهتمام بالمعالم الدينية فأصبحت مراكز العبادة والعلم كمنارة ثقافية تجمع بين روعة البناء وعماد الدين. هذه الديار مصنع العلوم والمعرفة منذ آلاف السنين. مسقط رأس من وضع أسس الجبر والحاسوب، ومن كتب القانون في الطب، ومن اكتشف أدوية لم يعرفها أحد قبله. وفي عصرنا تطورت الصناعات التقنية والفضائية بكفاءة ذاتية؛ فالجامعات تخرج آلاف المهندسين والعلماء، والمنشآت الصناعية تغني عن الواردات. شعب يسعى للاعتماد على نفسه: يأكل مما يزرع، ويلبس مما يصنع. وهذا أحد مصادر قوته ومكانته.

وهنا يرجع القلم إلى مبدئه.. بأجمل السطور نبدأ، وبأبهى صورة نختم؛ فأرض الثقافة والنهضة الإيرانية ليست مجرد أسطورة تروى، بل حياة تتجدد، ونور يتولد، وعبق يفوح على مدى الأزمان. ستظل أجمل السطور تكتب عنها بماء زعفرانها، وأبهى الصور ترسم لها، ما بقي في الكون عطر يفيض، ونجم يتوهج. وماء الخليج الفارسي يلتقي ببهاء النجوم، ومضيق هرمز يحرس هذا الثرى. إنها حضارة تجمع بين التجديد والوفاء للأصول، تبقى حضارة تتطور من جهة، وتتمسك بجذورها من جهة أخرى.

كاتب سوري حر، خارج الوطن.