لم يعد الماء في القرن الحادي والعشرين مجرد مورد طبيعي في عالم تتراجع فيه الموارد المائية، وتتواتر فيه سنوات الجفاف، أصبح الوصول إلى الماء سؤالًا يتجاوز الطبيعة ليصل إلى السياسة والاقتصاد والقانون.
فعندما يعجز شخص عن الحصول على ماء صالح للشرب بصورة منتظمة، يبرز سؤال قد يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه يحمل أبعادًا قانونية عميقة: هل نحن أمام أزمة فرضتها الطبيعة؟ أم أمام إخلال بمسؤولية الدولة؟
ربما لا تستطيع الدولة التحكم في سقوط الأمطار، لكنها تستطيع التحكم في طريقة استعدادها لغيابها.
ومن هنا يتحول العطش من مجرد نتيجة لندرة طبيعية إلى قضية تتعلق بالحقوق والعدالة ومسؤولية السلطة العامة.
من مورد طبيعي إلى حق من حقوق الإنسان
لم يكن الماء حاضرًا منذ البداية في القانون الدولي باعتباره حقًا مستقلاً بالوضوح الذي نعرفه اليوم، فقد ارتبط لفترة طويلة بحقوق أخرى، مثل الحق في الحياة والصحة، غير أن تطور القانون الدولي لحقوق الإنسان ساهم في توضيح مضمون هذا الحق. فقد اعتبرت *اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، في التعليق العام رقم 15، أن الماء مورد طبيعي محدود وخير عام أساسي للحياة والصحة، وأن الحق في الماء يقتضي أن يتمكن كل إنسان من الحصول على ماء كافٍ وآمن ومقبول ومتاح ماديًا وبكلفة يمكن تحملها للاستعمالات الشخصية والمنزلية.
ثم *جاءت الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 2010، في القرار رقم 64/292، لتقر بأن الحق في مياه الشرب المأمونة والنظيفة وخدمات الصرف الصحي حق من حقوق الإنسان الأساسية للتمتع الكامل بالحياة وبقية حقوق الإنسان.
وهذا التطور يكشف مسألة جوهرية: وجود الماء داخل حدود الدولة لا يعني بالضرورة تمتع جميع مواطنيها بالحق فيه.
فالحق في الماء لا يقاس فقط بكمية الموارد الموجودة في السدود أو الموائد المائية، بل بقدرة الإنسان الفعلية على الوصول إلى ماء كافٍ وآمن وبكلفة يمكن تحملها ودون تمييز.
وهنا يظهر الفرق بين إدارة الماء باعتباره موردًا، وضمانه باعتباره حقًا.
إدارة المورد تعني تنظيم استغلاله وحمايته وتوزيعه، أما ضمان الحق فيعني وضع الإنسان في قلب السياسة المائية: هل يصل الماء إليه فعلًا؟ هل يصل بصورة منتظمة؟ وهل يستطيع الحصول عليه دون أن يتحول ذلك إلى عبء يتجاوز قدرته؟
إن انتقال الماء من المجال التقني إلى مجال الحقوق يغير طبيعة السؤال بالكامل. فلم يعد السؤال فقط: كم نملك من الماء؟ بل أصبح أيضًا: من يستطيع الوصول إليه، وعلى أي أساس؟
تونس: بين الملك العمومي والحق في النفاذ
يحظى الماء في تونس بإطار قانوني خاص. فقد صدر *القانون عدد 16 لسنة 1975 المؤرخ في 31 مارس 1975 المتعلق بإصدار مجلة المياه، والتي نظمت، ضمن أحكامها، مسائل مرتبطة بالمياه التابعة للملك العمومي واستعمالها وحمايتها.
ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد مورد اقتصادي عادي، بل بثروة طبيعية تقتضي الحماية والتنظيم ووضع قواعد لاستعمالها.
وقد عرف التصور القانوني للماء في تونس تطورًا مهمًا على المستوى الدستوري. فقد نص دستور سنة 2014 صراحة على أن «الحق في الماء مضمون»، بينما أقر *دستور سنة 2022 التزامًا أكثر تحديدًا؛ إذ نص الفصل 48 على أن الدولة توفر الماء الصالح للشراب للجميع على قدم المساواة، وتحافظ على الثروة المائية لفائدة الأجيال القادمة.
لكن وجود قاعدة دستورية لا يعني تلقائيًا أن مشكلة الوصول إلى الماء قد حُلّت.
فالنص القانوني، مهما بلغت أهميته، لا ينقل الماء وحده إلى المنازل.
إن الحق يصبح واقعًا من خلال البنية التحتية والسياسات العامة وحماية الموارد وتحديد أولويات الاستعمال والاستعداد لفترات الجفاف.
وهنا يبرز سؤال أكثر دقة: هل يكفي أن تدير الدولة الماء، أم أن عليها أن تضمن وصولًا فعليًا ومنصفًا إليه؟
عندما تصبح أزمة المناخ اختبارًا لمسؤولية الدولة
من السهل تفسير أزمة الماء بالجفاف والتغير المناخي. فالمناخ يؤثر بصورة مباشرة في انتظام الأمطار وتجدد الموارد المائية، ويجعل مستقبلها أكثر هشاشة وأقل قابلية للتنبؤ.
لكن اختزال الأزمة في الطبيعة وحدها يخفي جزءًا آخر من الحقيقة.
فالدولة لا تملك التحكم في السماء، لكنها تملك التحكم في السياسات. إنها لا تستطيع منع سنوات الجفاف، لكنها تستطيع أن تحدد كيف تستعد لها. ولا تستطيع أن تخلق الأمطار، لكنها تستطيع حماية مواردها الجوفية من الاستنزاف، والحد من الهدر، وصيانة الشبكات، وتنظيم الاستعمالات المتنافسة للمورد، ووضع سياسات طويلة المدى للتكيف مع الندرة.
لذلك، فإن التغير المناخي قد يفسر جزءًا من الأزمة، لكنه لا يستطيع أن يجيب وحده عن سؤال المسؤولية.
هناك فرق بين دولة تواجه جفافًا استثنائيًا رغم وجود سياسات استباقية واستثمارات وتخطيط طويل المدى، ودولة تجد نفسها أمام الأزمة دون استعداد كافٍ.
في الحالة الأولى، قد تكون الطبيعة قد تجاوزت قدرة الإنسان على التنبؤ. أما في الثانية، فإن جزءًا من الأزمة يصبح مرتبطًا أيضًا بحدود الحوكمة والسياسات العامة.
وهنا تظهر فكرة قانونية أساسية: مسؤولية الدولة عن الحق في الماء لا تبدأ عندما ينقطع الماء، بل تبدأ قبل ذلك بكثير؛ عند التخطيط، وعند حماية المورد، وعند تنظيم استغلاله، وعند الاستعداد للجفاف.
المغرب والأردن: عندما لا يكفي القانون وحده
تكشف التجارب العربية أن ندرة الماء لم تعد مسألة تخص المناخ وحده، بل أصبحت اختبارًا لقدرة الدولة على التشريع والتخطيط والإدارة. في المغرب، يمثل *القانون رقم 36-15 المتعلق بالماء إطارًا تشريعيًا مهمًا لتنظيم الموارد المائية. غير أن التجربة المغربية تذكرنا بحقيقة أساسية ألا وهي تحديث التشريع لا يعني أن القانون، بمفرده، قادر على منع تحول الجفاف إلى أزمة اجتماعية، فالقانون يحتاج إلى مؤسسات قادرة على تطبيقه، وإلى استثمارات في البنية التحتية، وسياسات استباقية، وقدرة على التوفيق بين الاستعمالات المختلفة والمتنافسة للمورد نفسه. أما الأردن، فيقدم نموذجًا مختلفًا، فهو بلد اضطر منذ زمن إلى التعامل مع ندرة المياه باعتبارها واقعًا هيكليًا لا مجرد أزمة عابرة. لهذا جاءت *الاستراتيجية الوطنية للمياه للأعوام 2023-2040 بوصفها إطارًا طويل المدى لتحقيق الأمن المائي، مع التركيز على إصلاح الإطار القانوني والمؤسسي، وتحسين إدارة الموارد، وتحقيق التوازن بين العرض والطلب، وتعزيز الحماية للفئات الأكثر هشاشة. (Ministère de l’Industrie et du Commerce)
والدرس الذي يمكن أن تستخلصه تونس من هذه المقارنة لا يتعلق بنسخ تجربة بعينها. لكن المقارنة تكشف حقيقة مهمة: كلما أصبحت الندرة أكثر وضوحًا، لم يعد من الممكن بناء السياسة المائية على منطق انتظار الأزمة.
إن إدارة الماء في زمن الندرة تعني أن تصبح الندرة نفسها جزءًا من التخطيط. وبين تونس والمغرب والأردن يظهر سؤال مشترك: هل أزمة الماء أزمة قوانين أم أزمة حوكمة؟
ربما تكون الإجابة أنها الاثنان معًا. فالقانون ضروري لتحديد المسؤوليات وحماية الموارد وتنظيم الاستعمالات، لكنه لا يصنع الأمن المائي بمفرده.
جنوب إفريقيا: عندما يصل الحق في الماء إلى القضاء
تقدم جنوب إفريقيا تجربة مهمة من الناحية القانونية. *فدستورها يعترف بحق كل شخص في الوصول إلى مياه كافية، ويلزم الدولة باتخاذ تدابير تشريعية وغيرها من التدابير المعقولة، في حدود مواردها المتاحة، من أجل تحقيق هذا الحق تدريجيًا. وتكمن أهمية هذه التجربة في أن الحق في الماء لم يبق مجرد إعلان دستوري، بل أصبح موضوعًا للنقاش القضائي. ففي *قضية Mazibuko وآخرين ضد مدينة جوهانسبرغ، نظرت المحكمة الدستورية في سياسة المدينة المتعلقة بتوفير كمية أساسية مجانية من المياه، كما بحثت في قانونية استعمال العدادات مسبقة الدفع. وقد انتهت المحكمة إلى اعتبار سياسة المدينة ضمن حدود المعقولية، مؤكدة أهمية تقييم التدابير التي تتخذها الدولة في ضوء الالتزامات الدستورية والموارد المتاحة. ولا تعني أهمية هذه القضية أن القضاء يستطيع إدارة السياسة المائية بدلًا عن الحكومة، أو أنه يحدد بنفسه كل تفاصيل توزيع الموارد. لكنها تكشف أمرًا أكثر أهمية: الاعتراف بالحق يجعل سياسات الدولة وتدابيرها قابلة للنقاش والتقييم في ضوء التزامات دستورية.
وهنا يظهر الفرق بين وجود حق مكتوب في النص وبين وجود حق يمكن أن يصبح أساسًا لمساءلة السلطة العامة.
فالقيمة الحقيقية للاعتراف القانوني بالماء لا تظهر فقط في الكلمات التي يكتبها الدستور، بل في السؤال الذي يسمح للمواطن بطرحه: ماذا فعلت الدولة لتحقيق هذا الحق؟
العطش كمسألة عدالة
ربما يكون أخطر ما ستطرحه أزمة المياه في المستقبل ليس مجرد سؤال الندرة، بل سؤال التوزيع. عندما يصبح المورد محدودًا، تظهر منافسة بين الاستعمالات المختلفة: الاستعمال المنزلي، والفلاحة، والصناعة، والسياحة وغيرها ، وفي تلك اللحظة، لا يعود القرار تقنيًا فقط.
إن تحديد من يحصل على الماء أولًا، وبأي كمية، وتحت أي شروط، هو قرار يحمل في داخله تصورًا للعدالة. ولهذا، فإن أزمة المياه ليست فقط أزمة بيئية، بل هي أيضًا أزمة مساواة. فمن يستطيع التكيف بسهولة مع نقص المياه ليس بالضرورة في الوضع نفسه لمن لا يملك موارد إضافية أو بدائل. وكلما اشتدت الندرة، أصبحت الفئات الأكثر هشاشة أكثر عرضة لتحمل آثارها.
ومن هنا، فإن حماية الحق في الماء لا يمكن أن تعني فقط حماية كمية الموارد الموجودة، بل يجب أن تعني أيضًا التفكير في كيفية توزيع آثار الندرة بصورة عادلة.
من إدارة الأزمة إلى حماية الحق
لن يستطيع أي قانون أن يصنع المطر. لكن القانون يستطيع أن يحدد كيف تستعد الدولة للجفاف، وكيف تحمي مواردها، وكيف تنظم استغلالها، وكيف توزع أعباء الندرة بين مختلف فئات المجتمع.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل أصبح الماء نادرًا؟
بل: ماذا فعلنا عندما عرفنا أنه سيصبح كذلك؟
في عالم يتغير مناخه، لا يمكن أن تكون مسؤولية الدولة مرتبطة فقط بلحظة وصول الأزمة. فالدولة التي تعترف بأن الماء حق لا تتحمل مسؤوليتها فقط عندما يفتح المواطن الحنفية، بل قبل ذلك بسنوات: عند وضع السياسات، وحماية الموارد، وصيانة الشبكات، والاستعداد لما هو قادم.
وحين يصبح الوصول إلى الماء صعبًا، لا ينبغي أن يكون السؤال الأول: من نلوم، الطبيعة؟
ربما يجب أن نسأل أولًا: هل كان بالإمكان الاستعداد بصورة أفضل؟
عندها فقط نفهم أن العطش لم يعد مجرد مسألة طبيعية. لقد أصبح، في جانب منه، قضية قانونية.
مراجع أساسية
* القانون عدد 16 لسنة 1975 المؤرخ في 31 مارس 1975 المتعلق بإصدار مجلة المياه.
* دستور الجمهورية التونسية لسنة 2022، الفصل 48.
* اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التعليق العام رقم 15 بشأن الحق في الماء، 2002.
* الجمعية العامة للأمم المتحدة، القرار 64/292 بشأن الحق في المياه والصرف الصحي، 2010.
* القانون المغربي رقم 36-15 المتعلق بالماء.
* الاستراتيجية الوطنية للمياه في الأردن 2023-2040.
* دستور جنوب إفريقيا، الفصل 27.
* Mazibuko and Others v City of Johannesburg and Others, Constitutional Court of South Africa, 2009