ماذا يجري في الجنوب؟
مقالات
ماذا يجري في الجنوب؟
عباس المعلم
8 أيلول 2026 , 04:48 ص

لم تعد حربًا؛ إنّه اغتيالٌ للجغرافيا. قرى تُمحى كي تُفقد أسماءها ملامحها، بساتين تُحرق، أشجار تُقتلع كأنّ للجذور تهمة، وبيوت تُفتّت فوق أعمار أصحابها. الموت هناك لا ينتقي ضحاياه: شيخٌ وفتى، شابٌ وطفل، ويدٌ تمتدّ بالنار حتى إلى الأجنّة في عتمة الأرحام. كأنّ إسرائيل نبشت أرشيف الوحشية البشرية كلّه، من فؤوس العصور الغابرة إلى أدقّ آلات القتل الحديثة، ثم اخترعت إبادةً أخرى لا تُرى في صور الأقمار الصناعية: إبادة السكينة؛ أن يصبح النوم مخاطرة، والصباح نجاةً مؤقتة، وانتظار الغارة جزءًا من نبض القلب.

ومن يفعل كل ذلك؟ واحدة من أعتى الآلات العسكرية والأمنية في العالم، تستعرض فائض قوتها فوق قرى صغيرة. ومن يحمي الجنوب؟ هنا تبدأ مهزلة الضمير العالمي: عالمٌ يحصي جثثه ببرودة المحاسب، ثم يصدر بيان قلق ويخلد إلى النوم. والأقسى أن في لبنان من أتقن الوقوف على ضفة الدم؛ صامتًا حين يجب أن يصرخ، شامتًا حين يجب أن يخجل، ومحرضًا حين يصبح التحريض شراكةً أخلاقية في المأساة. يا لبؤس السياسة حين يصبح خراب قريةٍ مادةً للخصومة، ويصبح دم الطفل تفصيلًا في دفتر الحسابات.

وهل الجنوب كبير؟ على الخريطة، بالكاد مساحة؛ أمّا في ميزان الصلابة فهو جغرافيا أثقل من محاصريها. لا تقسوه بالكيلومترات، بل بحجم العالم الذي احتاج إلى النار والحصار والصمت كي يحاول كسره. يستطيعون إحراق شجره وهدم حجره وملء ترابه بالقبور، لكنهم لم يعثروا بعد على السلاح الذي يُقنع هذه الأرض بالركوع. وهنا الفضيحة التي لن تسترها كل ترسانات العالم: حين تحتاج كلُّ هذه القوّة إلى كلِّ هذا الموت كي تُخضع بقعةً صغيرة ولا تُخضعها، لا يعود السؤال: كيف صمد الجنوب؟ بل: كم كان هذا العالم هشًّا، حتى أخافته حفنةُ تراب؟

عباس المعلم - كاتب سياسي